والذي أفتى به شيخ الإسلام هو عينه ما أفتى به مالك قبله؛ على ما حكاه عنه أبو عبدالله محمد العبدري الفاسي، قال [1] : المقام بالمدينة - على ساكنها أفضل الصلاة وأزكي التحيات - لطلب العلم أفضل؟ فرجَّح لهم الرجوع إلى الاسكندرية والكون فيها على ذلك، ثم قال: وعن مالك: ينبغي لكل قوم أن يرابطوا في ناحيتهم، وأن يمسكوا سواحلهم إلا أن يكون مكانًا مخوفًا يخاف فيه على العامة يريد فليذهب إليه؛ انتهى بتصرف.
ثم زاد شيخ الإسلام هذا الأمر وضوحًا، فقال [2] : المرابطة في ثغور المسلمين - وهو المقام فيها بنية الجهاد - أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق العلماء وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة، وليستْ هذه المسألة من المشكلات عند مَن يعرف دين الإسلام، ولكن لكثرة ظهور البدع في العبادات، وفساد النيات في الأعمال الشرعيات؛ صار يخفى مثل هذه المسألة على كثير من الناس، حتى صاروا يعظِّمون الأماكن التي كان المسلمون يعظمونها لكونها ثغورًا، ظانين أن تعظيمها لأمور مبتدعة في دين الإسلام، فاستبدلوا بشريعة الإسلام بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، فإنه يوجد في كلام السلف وحكاياتهم في ذكر غزة، وعسقلان والإسكندرية، وجبل لبنان، وقزوين، ومن أمثال ذلك، ومن وجود الصالحين بها - ما يُوجِب شرف هذه البقاع، والاعتزال عن الناس، ثم إن من هذه البقاع ما غلب عليه العدو، أو سكنه أهل البدع والفساق؛ ففسد حال أهله مثل ما جرى على لبنان ونحوه.
ثم قال: - رحمه الله: وأفضل البلاد في حق كل شخص حيث كان أبر وأتقى، وإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ولهذا لما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي، وكان أبو الدرداء بالشام، وسلمان بالعراق؛ فكتب إليه أن هلم إلى الأرض المقدَّسة،
(1) المدخل إلى تنمية الأعمال - العبدري - ج 2/ 61.
(2) مجموع الفتاوي ج 27/ 52 وما بعدها، جامع المسائل و الرسائل ج 5/ 341، وما بعدها.