وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [1] : وبالجملة إن السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم، وكانت الثغور معمورة بخيار المسلمين علمًا وعملًا، وأعظم البلاد إقامة بشعائر الإسلام وحقائق الإيمان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان كل مَن أحب التبتل للعبادة، والانقطاع إلى الله، وكمال الزهد والعبادة والمعرفة؛ يدلُّونه على الثغور.
قال: وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما عليه أهل الثغور؛ فإن الحق معهم؛ لأن الله - تعالى - يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، الآية.
وقال في المنتقى [2] : مسألة: ورباط الخيل والنفس من عدة الرباط:
وقد سئل مالك: أيما أحب إليك الرباط أم الغارات في العدو؟
قال: أما الغارات، فلا أدري! كأنه كرهها، وأما السير في أرض العدو على الإصابة - يريد السُّنَّة - فهو أحب إليَّ، ووجهُ ذلك: أنه كَرِه الغارات لما كانوا يقصدون بها من أخذ الأموال، وربما غَلُّوا، وأما السير في أرض العدو - وهو الغزو على الإصابة للحق والسنة، وتكون كلمة الله هي العليا، ولا يغل، ويطيع الأمير في الحق - فهو أفضل؛ لأن فيه زيادةً على الرباط، دخولَ أرض العدو وإهانته.
وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال: فُرِض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إليَّ من سفك دماء المشركين.
قال القاضي أبو الوليد - هو الباجي: ووجه ذلك عندي - والله أعلم - أن يكون الخوف بثغرٍ من الثغور، وقد اشتدَّ حتى خِيف على أهله من عدوهم، فاستُنفِروا لإدراك ذلك الثغر، فان قصد ذلك الثغر يكون أولى؛ لأن حقن دماء أهله أفضل من سفك دماء المشركين، وإما أن يكون رجلٌ من المسلمين يقصد ثغرًا من
(1) جامع المسائل والرسائل - ابن تيمية - ج 5/ 358.
(2) المنتقى شرح الموطأ - أبو الوليد الباجي - ج 3/ 22 ح 851.