يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه - حجة يجب التسليم لها من كتابٍ، أو خبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع من أهل التأويل"؛ انتهى."
ووافقه ابن عطية -رحمه الله - في تفسيره فقال [1] :"اختلف المتأوِّلون في معنى هذه الكلمة {وَرَابِطُوا} ؛ فقال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل؛ أي: ارتبطوها، كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله - تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] ، ثم ذكر أثر أبي عبيدة وأبي سلمة بن عبدالرحمن، ثم قال: والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من رباط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( فذلكم الرباط ) )، إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله؛ إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، قال: والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: (( ليس الشديد بالصرعة ) )، كقوله: (( ليس المسكين بهذا الطواف ) )، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر ليرابط فيه مدة ما."
وخالفه في ذلك الإمام القرطبي في تفسيره، فقال بعد أن نقل كلامه [2] :"قلت - أي القرطبي: والرباط اللغوي هو الأول؛ ليس بمسلَّم، فإن الخليل بن أحمد - أحد أئمة اللغة وثقاتها - قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لُغَوي حقيقة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - وأكثر من ذلك ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط؛ أي: دائم لا ينزح - حكاه ابن فارس - وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرنا؛ فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحلَّ، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب"
(1) المحرر الوجيز - ابن عطية الأندلسي ج 2/ 66.
(2) الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - ج 4/ 324.