ما تقذفها به الغالبة من مفردات وقواعد وأساليب، ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها، فتخور قواها وتفنى أنسجتها الأصلية شيئا فشيئا حتى تزول: كما كان شأن الإنجليزية الغالبة مع النورماندية المغلوبة.
وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتفيض عليه من حيويتها وتقاوم آثاره الهدامة، فتبقى كل منهما متميزة الشخصية وموفورة القوى سليمة البناء: كما كان شأن الفارسية مع العربية. [1] ""
وهكذا، يتضح لنا أن الصراع اللغوي مظهر من مظاهر الحياة اللغوية الطبيعية في المجتمع الإنساني.
من المعروف أن الفصيلة اللغوية تتفرع إلى مجموعة من اللغات، وتتفرع كل لغة على حدة إلى لهجات متنوعة. ومن هنا، فاللغة المعيارية الأصلية (La langue Standard) تتفرع إلى عدة لهجات محلية (Dialectes Locaux) ولهجات اجتماعية (Dialectes sociaux) . فيقصد بالأولى انقسام اللغة إلى مجموعة من اللهجات الجغرافية المحلية. في حين، تدل الثانية على انقسام اللغة إلى مجموعة من الطبقات الاجتماعية أو فئات وطوائف وطبقات سكانية واجتماعية.
هذا، ويعود انتشار اللغة إلى عوامل الصراع اللغوي، وعامل الهجرة والنزوح والحروب، وعامل الاحتكاك اللغوي بين المناطق المتجاورة، وقد تنتشر اللغة بفضل النمو الديمغرافي، وتطور عمرانها البشري. وكلما اتسع عدد أفراد المتكلمين بلغة معينة، وتوسعت الرقعة الجغرافية، قد تنفصل منطقة جغرافية ما عن سلطة المركز، فتكون لنفسها لغة خاصة بها تحافظ على بعض القواعد الموجودة في اللغة الأصلية. وبعد ذلك، تزداد الفوارق بشكل تدريجي. والدليل على ذلك انقسام الفصائل اللغوية إلى لغات ثم إلى لهجات. كما أن
(1) - علي عبد الواحد وافي: نفسه ص:130 - 131.