فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 36

إذًا،"يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء، وسعي وراء الغلب والسيطرة. وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال. فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين، فيسارع إلى القضاء على الآخر مستخدما في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلايكاد يبقى على أثر من آثاره. وتارة ترجح كفة أحدهما كذلك، ولكنه يمهل الآخر، وينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه، ويعمل على خضد شوكته شيئا فشيئا حتى يتم له النصر. وأحيانا تتكافأ قواهما أو تكاد فتظل الحرب بينهما سجالا، ويظل كل منهما في أثنائهما محتفظا بشخصيته ومميزاته." [1]

وقد ينتج هذا الصراع اللغوي عن الاحتكاك اللغوي من جهة، أو هجرة أقوام إلى البلد المضيف ينطقون لغة غير لغة القوم من جهة أخرى. ويعني هذا إما أن يقع نزوح عناصر أجنبية إلى البلد عبر الفتوحات أو الحروب أو الاستعمار أو الهجرة، فيقع صراع بين اللغة المحلية و لغة النازح، فتنتصر اللغة التي لها الغلبة والقوة والسلطة والنفوذ، وتضمحل لغة الضعيف، وتتضاءل قيمتها أمام لغة العدو. وقد يكون الصراع بين اللغة الراقية واللغة المتدنية، أو يكون الصراع بين لغة متقدمة علميا (اللغة الإنجليزية) ولغة متخلفة في ذلك المجال (اللغة الإسبانية أو البرتغالية) . وقد تنقرض لغة إما بطريقة سريعة ومفاجئة، وإما بطريقة متدرجة حسب طبيعة ضعف الدولة وتقهقرها الحضاري.

وقصارى القول:"متى اجتمع لغتان في بلد واحد لامناص من تأثر كل منهما بالأخرى، سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكلتيهما البقاء. غير أن هذا التأثر يختلف في مبلغه ومنهجه ونواحي ظهوره ونتائجه في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية."

فإذا كان الغلب كتب لإحداهما نراها تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كثرت كميته، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، فتزداد به قوة ونشاطا؛ بدون أن تدع له مجالا للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي؛ على حين إن المغلوبة لاتقوى على مقاومة

(1) - علي عبد الواحد وافي: نفسه، ص:115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت