ولهذا يمكن عدّ اتحادات الفروع الدولية، الشكل الحديث للتنظيم الاقتصادي الرامي إلى اقتسام العالم الرأسمالي، وهو أشمل وأرقى من شكل الكارتلات الدولية وفعاليتها. ومن جهة ثانية ينسجم هذا الشكل مع المرحلة الحالية لتطور رأسمالية الدولة الاحتكارية بسبب قدرته على السيطرة على القرار الحكومي واتساع رقعة فعالياته وكثافة التمركز الرأسمالي فيه، وأخيرًا استخدام أعلى القدرات التقنية والإدارية الحديثة.
وفي معرض معالجة الاحتكارات والاقتصاد العالمي لا بد من ذكر ما يمكن ذكره عن الاحتكارات الوطنية التي خرجت عن حدود وطنها الأم. فلقد اتسعت حركة خروجها هذه بعد الحرب العالمية الثانية اتساعًا كبيرًا، وينطبق ذلك على الاحتكارات الأمريكية خاصة. لقد ساعدت قدرة هذه الاحتكارات، وانتشار بعض الليبرالية في التجارة الدولية وتخفيف القيود المفروضة على القطع، وزيادة حجم كتلة الأموال في أسواق العملات الأوربية لقد ساعد هذا كله على إيجاد الأسس الموضوعية لتطوير فعاليات الاحتكارات بهذا الاتجاه. علمًا بأن هذه الظاهرة تعممت بعد ذلك فيما سُمي بالشركات «المتعددة الجنسيات» ولم تعد مقتصرة على الاحتكارات الأمريكية. إن حصة هذه الاحتكارات الوطنية في مجمل الاقتصاد العالمي الرأسمالي - على شكل استثمارات خارجية - في نمو مستمر، وإن كثيرًا من الفروع الصناعية المتقدمة غدت تخضع لسيطرة هذه الاحتكارات (أوربا الغربية) وتختار هذه الاحتكارات «المتعددة الجنسيات» الفروع التي تتميز بالتقنية المتقدمة، عن طريق استخدام المبتكرات الجديدة، وتحقيق معامل مرتفع في النمو، وتنتشر هذه الشركات في دول العالم الثالث (في الصناعات الاستخراجية والملوثة) وتسهم في الخلل الكبير والواضح في معدلات التبادلات التجارية الدولية بين هذه الكتلة وتلك الشركات. وتتسع الفجوة السعرية بين منتجات هذه الشركات النهائية وأسعار المواد الأولية المسيطر على مكامنها في العالم الثالث من قبل الشركات المتعددة الجنسيات.
ويمكن القول: إن مركز القرار الموحد للشركة المتعددة الجنسيات هو أحد مميزاتها الرئيسية، تلك الميزة التي تؤلف تهديدًا خطيرًا لبلدان العالم المضيفة لها. والحال إن مركز القرار المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنى والمصالح الاقتصادية وميزان مدفوعات الدولة الأم، لا يمكن أن ينطلق في قراراته إلا من ظروفه المحلية المذكورة المحيطة به، كما أن كثيرًا من نشاطاتها لم يخضع ولا يمكن أن يخضع لضوابط قانونية دقيقة في البلدان المضيفة، ومن ذلك قدرتها على تغيير حجم الإنتاج