الملامح الثمانية السابقة والمميزة للحضارة الغربية: الدين، اللغات، الفصل بين الدولة والكنيسة، حكم القانون، التعددية القانونية، الهيئات النيابية، الفردانية .. كانت كلها غائبة بالكامل تقريبا من التجربة الروسية. الاستثناء الممكن الوحيد هو التراث الكلاسيكي الذي جاء إلى روسيا عن طريق بيزنطة، ومن هنا كان مختلفة تماما عن ذلك الذي جاء إلى الغرب عن طريق روما مباشرة. الحضارة الروسية كانت نتاج جذورها الأصلية في كيفان روسي و موسكوفي، والتأثير البيزنطي الأساسي والحكم المغولي الطويل. هذه المؤثرات شكلت مجتمعا وثقافة، قليلة الشبه بتلك التي نشات وتطورت في أوروبا الغربية تحت تأثير قوي مختلفة تماما. في نهاية القرن السابع عشر، لم نکن روسيا مختلفة فقط عن أوروبا، ولكنها كانت متخلفة عنها، كما أدرك بطرس الأكبر، خلال جولته الأوروبية في 1997 - 1998، وعقد العزم على القيام بعملية تحديث وتغريب لبلده في نفس الوقت. ولكي يجعل شعبه پپدو مثل الأوروبيين، كان أول شيء يقوم به بعد أن عاد إلى موسكو هو حلق لحي النبلاء وحظر ثيابهم الطويلة وقبعاتهم المخروطية. ورغم أنه لم يلغ الأبجدية السيريلية (*) ، إلا أنه أصلحها وبسطها وأدخل كلمات وعبارات غربية. كما أعطى أولية لتطوير وتحديث القوات المسلحة الروسية: فأنشأ بحرية، وأدخل التجنيد الإجباري، وشيد صناعات دفاعية، وأنشا مدارس فنية، وأرسل بعثات إلى الغرب للدراسة، واستورد من الغرب أحدث المعارف الخاصة بالتسليح والبحرية وبناء السفن والإدارة البيروقراطية وأشياء أخرى لازمة للكفاءة القتالية، ولكي ينفق على كل تلك الأمور المستحدثة قام بإصلاح وتوسيع نظام الضرائب كما أعاد تنظيم بنية الحكومة بالقرب من نهاية عهده.
وفي إصرار منه على جعل روسيا قوة في أوروبا وليس مجرد نوة أوروبية، ترك موسكو وأنشأ عاصمة جديدة في سان بطرسبورج، وشن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الأبجدية اللابة القديمة ويقال أن مخترعها هو القديس ابريل، (المترجم) .