أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة، والثاني أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر لروح وهذا ما لم يتكلم فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم وليس لغيره أن يتكلم فيه، والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلي معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلي ذكر حقيقتها ذاتها ويفتقر إلي حقيقتها.
اللفظ الثاني، الروح وهو أيضًا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين، أحدهما: جسم لطيفة منبعه تجويف القلب الجسماني فينتشر بواسطة العروق الضوارب إلي سائر أجزاء الجسم والبدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع منها على أعضاءها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلي جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثل السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثل حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه.
والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعني وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب وليس شرحه من غرضنا، إذا المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان، فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتي ينساق إلي جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلًا.
المعني الثاني: وهو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في إحدي معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالي بقوله {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [1] وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والأفهام من إدراك حقيقته.
اللفظ الثالث: النفس وهو أيضًا مشترك من معاني بغرضنا منه معنيان، أحدهما إنه يراد به المعني الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف إلا أنهم يريدون النفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لابد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله عليه السلام (أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك) [2] .
المعني الثاني الذي ذكرناه وهي نفس الإنسان ذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الإضطراب سبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة، قال تعالي
(1) سورة الإسراء آية: (85) .
(2) حديث أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك (البيهقي في كتاب الزاهد من حديث بن عباس وعنه محمد بن عبد الرحمن بن عزوان أحد الوضاعين) .