فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 1119

من ذلك بيد أن معني العبادة يؤول كما قدمنا إلى خصوصية بين العبد والرب فيحفظ له من حيث هو فرد قدره ووضعه في إطار الجماعة، وليس هو كبعض الأغراض الجماعية التي لا تعني الفرد بوجه مباشر ومهما تعاون الأفراد في جماعة للترقي بأقدار العبادة أو اشتركوا على عمل عبادي واحد فإن لكل منهم نصيبه يتفرد به من دون الآخرين ومبلغه من مقامات العبادة ينافس فيها غيره. وأغراض الحياة الاجتماعية لذلك معروفة في الدين تتمحض عنها واجبات كفائية مشاعة وأخري عينية ولكن مرجوعها في حساب العبادة إنما يفرد للأفراد كل بتقدير مخصوص فمعني العبادة لا ينفي قيام الجماعة ولا يستحقر شأنها العام بل يقتضي نظامها ويبرز سلطانها ولكنه يحفظ للفرد قسمة معلومة ومكانًا مقدرًا.

وتقوم الشريعة - من بعد مقتضي الحرية والعبادة - ميزانًا يحقق العدالة بين الجماعة والفرد - تضمن سيادة النظام العام وتحرسه من جنوح الأهواء الفردية، كما تصون حرمة الفرد وحقوقه من الطغيان الجماعي. وتفصل الشريعة الواجبات والحقوق وتنظيمم علاقات الحياة العامة بالعدل والاتزان ففي مجال السياسة تقيم الشريعة ولاية عامة لامر الجماعة تحكم بمقتضي الشرع وإجماع الأمة وتلزم الفرد بحجة غالبة ليس له بعدها الخروج والعصيان، ولكنها تجعل الحكم شوري ومناصحة وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، فلكل مؤمن نصيب في توجيه الأمور وله من أجل ذلك حقه في حرية الرأي والاجتهاد والعممل. وفي مجال الاقتصاد يتمتع كل فرد بحرية الكسب والمتاع المشروع والتجاررة عن تراض وتكفل له حاجاته الضرورية في المعاش من قبل الجماعة، كما تضع عليه الشريعة واجب الانفاق وتجعل للجماعة أن تأخذ من أمواله وتوجه سلوكه وتضبط شذوذه وكذلك شأن الشريعة في سائر مجالات الحياة - حتى في أعمال التعبد الخالصة كالصلاة والصوم والحج، فلئن كانت تلك العبادات المحضة موضوعة في المكان الاول لتوثيق صلة العبد بربه وتزكية معاني الإيمان في نفسه فإنها تتضمن صور أداء جماعية فيها تربيبة على المعاني التي تقوم الجماعة كالإخاء والموالاة والنظام والطاعة. ولكل عمل ياتيه الفرد المؤمن في أثناء حياته العامة اعتبار مزدوج: فهو من حيث بواعثه وخفاياه يخص شأنه مع ربه فيحسب له أو عليه في موازين المسئولية الربانية، وهو من حيث عناصره الظاهرة يندرج أيضًا في علاقاته ومسئوليته الاجتماعية يستحسنه إخوانه أو ينكرونه أو تأخذه به سلطات القضاء والحكم.

وهكذا يوحد الدين أمر الفرد والجماعة ولا ينصبهما على طرفي نقيض بل يوفق بينهما بمبدأ الرضي في تأسيس الجماعة وبمعني العبادة في تقويم حياة الإنسان وعلاقاته وتطيب خاصة أمره هاجلًا وآجلًا، ويندرج في جماعته بإعتباره ثان ليتكامل سعي جملة الأفراد في تزكية نفوسهم جميعًا وإصلاح أحوالهم في الدنيا على وجه العموم وفي الإعداد لحسن العاقبة في الدار الآخرة [1] .

مكونات السلالة الدستورية والقانونية لعمل الجماعة:

تتكون السلالة من الآتي:-

(1) كتاب الإيمان للدكتور / حسن عبد الله الترابي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت