فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 523

وفي مجال الدفاع والمدافعة والحماية للأمة عقيدة ونظاما وأخلاقا وأمنا، كان التوجيه في سورة البقرة على أربع شعب:

أولاها التحذير من تقليد غير المسلمين في تعاملهم مع الوحي وما نزل به، وفي علاقتهم برسولهم صلى الله عليه وسلم والرسل قبله، في عدة آيات منها: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} البقرة 108. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} البقرة 104.

وثانيتها ضرب المثل تقريرا وتوضيحا وتحذيرا، تحريضا على العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله، وتنفيرا مما عليه المشركون وأهل الكتاب {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْن} البقرة 265، {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} البقرة 17.

وثالثتها التعريفُ بطبيعة الصراع العقدي بين الإيمان والكفر، وطبيعةِ ما يواجه حَمَلَةَ الدعوة من محن ومتاعب ومشاق، والتوضيحُ لمذاهب الخصوم والمعترضين ومكرهم، وأساليبهم ومناوراتهم وضلالاتهم، وطرق الرد عليهم وفل حججهم، وحماية المؤمنين من تأثير دعاياتهم وإشاعاتهم.

وكانت قصص الأنبياء مع أقوامهم في هذا المجال خيرَ تعريف بطبيعة المعركة بين الإيمان والكفر، وأقوى تنبيه لأولي البصائر والأبصار، وأبلغ عظة وعبرة للمؤمنين، إذ لم تكن هذه القصص مقصورة على الأمم التي وقعت فيها، ولكنها كانت تقريرا لسنة الله في عباده الذين خلوا من قبل، تقريرا خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم تثبيتا وحضا على التأسي بمن قبله من الأنبياء والرسل، وخوطبت به أمته من خلاله، تحذيرا لها من أن يقع فيها ما وقع لغيرها، أو يلحق بها ما لحق بأمم قبلها.

في هذا السياق وردت قصص القرآن الكريم، بكل واحدة منها علمٌ وعبرة وأسوة، في صور بلاغية رائعة شتى، إشارة وتصريحا، وإسهابا وإيجازا وتلميحا، وتنوعا في معاني الألفاظ والسياقات، وما يراد تبيانه من عبر وعظات، بما يناسب كل حالة، وينسجم مع كل ظرف، غايتها توضيح التصورات، أو رفع المعنويات، أو شرح الصدور، أو تقوية الأفئدة، أو التحذير من نتائج الأعمال والتصرفات، فكانت هذه القصص وحدها بحق مدرسة ربانية في المنارة المحمدية القرآنية لتخريج الدعاة. تتحدث في أول ما تتحدث عن رسل الله مبلغي دعوته وأمناء وحيه، مبينة إشراقات من سيرهم وأحوالهم، ومعقبة على أقوالهم وأعمالهم، وما يتفاضلون فيه عند الله وما به يتساوون {تلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} البقرة 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت