وكما أنه ليست كل بذرة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة كذلك الإنفاق المقبول عند الله تعالى الذي يضاعف أجره ما بين عشر حسنات إلى سبعمائة إلى أضعاف ذلك له شروطه وضوابطه وسلوكياته الإنسانية الشرعية المتحضرة، من هذه الشروط ما هو متعلق بالمنفق، وما هو متعلق بالمال ومصدره ووسيلة كسبه وفيما أنفق، أو بظروف الإنفاق أثناءه وبعده.
أما ما يتعلق بالمنفق، فأولها أن ينوي بذلك وجه الله تعالى، سواء كان للأرحام أو الفقراء والمساكين أو ذوي الحاجات أو للجهاد أو لغير ذلك من الأهداف المشروعة، وفي الحديث الصحيح أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) ، فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) ، ثم قال: (إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) .
ومن ذلك أن الصدقة يخرجها الفقير المعافى في بدنه أعظم أجرا، لقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) .
ومنها أن حاجة أهل المرء وأداء ديونه مقدمة على الصدقة وأولى منها، قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول) ، وقال أيضا: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) ، وقال كعب بن مالك: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) .
ومنها أن يعجل بها المرء إذا نواها، لأنه لا يدري هل يمهل حتى يؤديها أم يعجل به قبل ذلك، فعن عقبة بن الحارث أنه قال: (صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ) .
ومنها أن يميز في صدقته بين من يستحقها ومن لا يستحقها، وإن كان الخطأ في ذلك مغتفرا لما رواه مسلم: (أَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ) .