فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 523

التكافلي التراحمي صدقة في سبيل الله تعالى على كل ذي كبد رطبة، وفي وجهه التعففي عن استغلال حاجات الناس وابتزازهم مراباة أو ديونا مجحفة أو رهنا قاسيا ظالما، تأكيدا لنفس المسار في بذل النفس والمال وادخار ثمارهما للآخرة، بقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

ولئن تخلل الأمرَ بالإنفاق في سبيل الله مجملا تلك الآيات التي تبلور التصور الإيماني وتزيده وضوحا ورسوخا، فإن هذه الآية وما بعدها مما بقي من سورة البقرة تمنهج بتفصيل أمر الإنفاق وتدعو إليه وتبين أدبه وأخلاقه، وتميز حلاله من حرامه، ونافعه من ضاره، وما يقبل منه في ميزان الله وما لا يقبل، كما تعالج أمراضا نفسية واجتماعية واقتصادية تنخر المجتمعات وتجعل التصرف في الأموال أداة فساد وإفساد، مثلما هو شأن الذين يبخلون عن مساعدة الفقراء والمحتاجين وعن جهاد المال وإعداد قوة المدافعة عن الدين وأهله وكسر شوكة عدوان الكفر ومكره، والذين يجعلون من الإنفاق أداة للتطاول والفخر والرياء وشراء الذمم والمواقف واستغلال أزمات الفقر والخصاص.

تبدأ الآية الكريمة بالتحريض على الإنفاق في سبيل الله تعالى والترغيب فيه وبيان فضله على المنفق وعلى المجتمع، فتشبه أجره ببذرة مما يزرعه الإنسان ليقتات به قمحا أو شعيرا أو غيرهما بقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} فتثمر هذه الحبة سبعمائة حبة {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} ثم يضاعف الله تعالى هذا العدد من الأجر لمن يشاء من عباده بحسب إخلاصهم وصفاء نيتهم وحسن تصرفهم وأخلاقهم عند الإنفاق والبذل {وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} . وهو تشبيه في غاية الروعة والدقة، فيه إشارة إلى أن النفقة المقبولة ينمي الله أجرها لأصحابها ويكثره ويدخره لهم كما ينمي الزرع الطيب لمن بذره في الأرض الطيبة، وإلى أن الدرهم الذي ينفقه المرء مجرد رزق ساقه الله إليه ولوشاء لساقه إلى غيره، والحبة التي يحرثها الفلاح كذلك خلق من خلق الله، لا فضل لزارعها في إيجادها، وما دوره في تنميتها إلا أن حرثها، أما الزرع والإنبات فمن خالق البذرة ومنميها، {وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} خلقه وفضله واسع وعطاؤه كثير لا ينقطع، وعلمه مطلق بحقيقة نية المنفق وطيب النفقة، وبمن يستحق ومن لا يستحق.

وقد ذكر أن الآية نزلت في صدقة عبد الرحمن بن عوف إذ جاء بأربعة آلاف درهم في غزوة تبوك، وصدقة عثمان بن عفان إذ جاء بألف دينار في جيش العسرة. إلا أن سبب نزولها لا يمنع عموم حكمها وشموله كل منفق في سبيل الله تعالى، وهو ما وردت به السنة النبوية شارحة ومبينة ومفصله، فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل قَال: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت