وحروف"الخاء والميم والراء"في لفظ"الخمر"أصلٌ واحد يدل على التغطية والستر، منه الخَمَر وهو ما واراك وسترك من الشجر وغيره، وخمار المرأة ما تغطي به وجهها، وقولهم: دخل في خمار الناس وغمارهم أي دخل في مكان خفي. وقولهم: هو يمشي لك الخَمَر، أي مستخفيا، وقد سمي الشراب خمرا لأنه يستر العقل ويغطيه ويحجبه، والمدار في حكمه على السكر وغيبوبة العقل، عُصِرَ من عنب أو استُخْلِص من غيره.
أما الميسر فهو القمار] [1] [، مأخوذ من اليسر ضد العسر، وهو السهولة والليونة والانقياد، لأنه كسب من غير تعب أو نصب، ولأن الخاسر ينقاد للرابح ويعطيه ما اشترطه عليه. وهو أصناف كثيرة تختلف من أمة إلى أمة مضمونها واحد ونتائجها واحدة، ولذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه:"الشطرنج ميسر العجم"، وقال مجاهد:"كل شيء فيه قمارٌ فهو من الميسر".
أما قوله تعالى في الجواب: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ، فقد تضمن وصفين للخمر والميسر، وصفا من زاوية الحكم الشرعي وهو الإثم وماكان إثما فهو حرام، ووصفا من زاوية نظر العامة إليه وما يرون فيهما من منافع.
أما المنفعة المزعومة لديهم في الخمر فمنفعتان: أولاهما تجارية، وقد كانوا يجلبونها من الشام رخيصة، ويبيعونها بالربح الكثير، لأن طلاب الخمر كانوا يشترونها بالثمن الغالي ويرون المماكسة في ابتياعها تتعارض مع النبل والشرف ورفيع المنزلة. والمنفعة الثانية نشوتهم بها وتفاخرهم بتناولها في مجالس لهوهم. وأما ما يرونه منفعة في الميسر فالربح السهل، وإرضاء غريزة المغالبة والتفاخر فيهم، وقد كانوا يعطون أنصباءَهم من الميسر أحيانا إلى الفقراء ويفاخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه.
إلا أن هذه المنافع المزعومة في الخمر والميسر سفهها الوحي، بكون الضرر بهما والإثم فيهما أكبر مما يظنونه نفعا، تخريب الخمر للصحة وتغييبه للعقول وإتلافه للمال، وتعطيله لقدرة الفرد على رعاية بيته وأهله وذريته وعلى الإنتاج الفعال في مجتمعه، وما ينتج عن ذلك من فساد اجتماعي وممارسات خبيثة عدوانا ومشاحنات وأمراضا نفسية واضطرارا في أحيان كثيرة إلى أي وسيلة يحصلون بها على الخمر سرقة ونصبا ورشوة، وتعويد الميسر أهلَه على الكسب السهل والكسل والتحايل للربح كذبا ونصبا وغشا وخداعا، مع ما يصحب ذلك من خراب بيوت الذين يخسرون في القمار، بإتلاف أموالهم وأعراضهم، وكان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأي المقامرَيْنِ قَمَرَ
(1) - مأخوذ من تَقَمَّر الصَّيَّادُ الظِّباءَ والطَّيْرَ بالليل إِذا صادها في ضوء القمر فَتَقْمَرُ أَبصارُها، يقال: يتقمَّرون آثار الصيد إذا تتبعوها في الليل خلسة ليخدعوها، وقَمَروا الطيرَ عَشَّوْها في الليل بالنار ليَصِيدُوها، وكأَنَّ القِمارَ مأْخوذ من الخِدَاع يقال: قامَره بالخِدَاعِ فَقَمَرَهُ.