صاحبه ذهب بأهله وماله، مع ما ينتج عن ذلك من مشاحنات وخصومات تصل حد العدوان الجسدي جرحا وقتلا، وما يؤدي إليه انصراف المسلم إلى معاقرة الخمر والمقامرة من انشغال عن ذكر الله وعن الصلاة، لذلك عقب عز وجل على ادعائهم المنافع في الخمر والميسر بقوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} ، ثم بين ذلك مفصلا بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} المائدة 90/ 91.
إن مداومة شرب الخمر وتعاطي القمار تؤدي إلى الإدمان عليهما، فيتعذر فطم النفس عنهما، وهو ما تعانيه البشرية في عصرنا هذا وقد عجزت التشريعات الوضعية عن مقاومتهما في أرقى الدول وأقواها، لذلك سار التشريع الإلهي في تحريمهما بتدرج وحذر، وبواسطة أسلوب تربوي حكيم، يعتمد على تجربة الخطأ الذي يتلوه التقويم والتهذيب، حتى إذا ضاقت النفوس بهما في مجتمع الطهر والإيمان كان للتحريم أثره، وللتوبة منهما يسرها وسهولتها. وقد ذكر الطبري عن ابن إسحاق عن سعيد بن جبير، قال: (لما نزلت: {يَسألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ للنّاسِ} فكرهها قوم لقوله: {فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ} وشربها قوم لقوله: {وَمَنافِعُ للنَّاسِ} ، حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} المائدة 43، قال: فكانوا يدعونها حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة 90، فقال عمر: ضيعةً لك، اليوم قرنت بالميسر) . وعن أبي توبة المصري قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثا، فكان أول ما أنزل: {يَسألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ} الآية، فقالوا: يا رسول الله ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه. ثم نزلت هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى} الآية، قالوا: يا رسول الله لا نشربها عند قرب الصلاة، قال: ثم نزلت: {إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ} الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (حُرّمَتِ الخَمْرُ) . وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَة: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير} الْآيَةَ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ:"اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، فقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا.