فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 523

العمل وقدر الجزاء ولا يبخس أحدا أجر عمله، يثيب على القليل بالكثير {لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء 40.

لقد اعتبر الأنصار ما خالج نفوسهم من أمر السعي بين جبلين كان على رأس كل منهما صنم أمرا خطيرا لا يقبل التهاون، لأنه متعلق بالعقيدة التي بها يتقرر مصير المرء في الدنيا والآخرة، والتقيُّ لا يتساهل في معالجة أي غبش يطرأ على قلبه فيها، وإنما يعالجه بسؤال أهل الذكر من العلماء، وهو ما فعلوه إذ سألوا رسولهم صلى الله عليه وسلم. هذا هو الموقف السليم للمؤمن في كل عصر، لا يمنعه الحياء ولا التكبر عن معرفة أحكام دينه عقيدة وشريعة وسلوكا ومنهاجا، فدواء الجهل السؤال، وواجب العالم الرباني أن يبين، لا تأخذه في الحق لومة لائم، لذلك عقب عز وجل بإشارة واضحة إلى العلماء وواجبهم في التربية والتعليم والتبليغ والتبيين فقال: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} . والكتمان يكون بإخفاء الحق لفظا أو حكما، أو بتبديل غيره أو تفسيره بغير معناه، أو تلبيسه والتمويه عليه وإساءة تأويله جريا مع الأهواء، أو توظيفه للمصالح الخاصة، أو تسخيره لذوي النفوذ والجاه والسلطة، وقد نزلت هذه الآية عندما سأل معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموا، وقيل نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى مطلقا، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم، فالآية تعم كذلك من كتم من المسلمين علما من الدين مع مسيسِ الحاجة إليه وتحقُّقِ الداعي إلى إظهاره، قال أبو هريرة: لولا هذه الآية ما حدثت أحدا بشاء، وعنه صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار) ، وهو ما بينه قوله تعالى: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ} أي يبعدهم عن رحمته ويذيقهم العذاب، {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ} أي الخلائق كلها يدعون بإبعادهم عن رحمة الله تعالى.

إن حكم هذه الآية يشمل كل من كتم الحق فلم يبينه للناس، سواء كان هذا الحق أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو إقامة حجة على حاكم أو محكوم، كما يشمل من يرى حرمات الله تنتهك، والدين يداس ويتلاعب به جهارا ثم لا ينتصر لدين الله ولا يغضب لحرماته فينكر ويغير، قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .

إلا أن رحمة الله الواسعة وقد فتحت أبواب التوبة للعصاة من الجن والإنس استثنت من حكم اللعنة كل من يراجع نفسه ويعود عن غيه وأخطائه ليصلح ما أفسده كتمانه فيجهر بالحق ويقيم أركانه، ويبين أحكام الدين في ما يرى وما يسمع وما يَبْلغه وما يُسْأل عنه، وذلك بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، وجعل بذلك رب العزة لتوبة العلماء ثلاثة شروط هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت