يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} .
والصفا لغة من"الصفاء"وهو خلوص الشيء من الشوب، مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص، ومنه قيل للحجارة الصافية الملساء: صفا، واحدتها صفاة، مثل حصى وحصاة ونوى ونواة. أما المَرْو فحجارة بيضٌ بَرَّاقة تُقْدَح منها النار، واحدتها مَرْوَةٌ، وهما جبلان كانا قريبين من المسجد الحرام اتصلا به عند توسعته.
أما لفظ"شعائر"فمأخوذ من فعل"شَعَرَ به وشعُر"أي عَلِمَ، وشعائر الحج وشِعارُه هي مناسكه وعلاماته وآثاره وأَعماله، من الإِشعار بمعنى الإِعلام، جمع شَعيرَة، أي كل معالمه الظاهرة للحواس التي جعلها الله أعلاما لطاعته كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح وغير ذلك، لكونها علامات على الخضوع والطاعة والتسليم، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج) .
والحج في اللغة القصد للزيارة مطلقا، وفي الشرع زيارة بيت الله الحرام في أيام معدودات إقامة لنسكه وشعائره.
والعمرة من فعل"اعتمر"أي زار من"العمارة"، كأن الزائر يعمر البيت الحرام بزيارته، وفي الشريعة هي زيارة بيت الله الحرام والقيام بشعائر مخصوصة هي الإِحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة.
وقوله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} موجه للمسلمين الذين ساورتهم الهواجس من شبهة الشرك بالسعي بين جبلين كان على رأس كل منهما صنم، يبين لهم به تعالى أن لا جناح عليهم أي لا إثم ولا حرج في قيامهم بشعيرة التطوف بينهما بعد أن تطهرا من الأوثان، وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران حولها سبعة أشواط. وفسره بالنسبة للصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك. وقد كان هذا السعي من شعائر ملة إبراهيم عليه السلام وأقره الإسلام، أصله من تطواف هاجر وقد تركت في البيت الحرام مع رضيعها إسماعيل عليه السلام وحيدين كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قالَ: (جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} إبراهيم 37، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا