مصنوع من التمر، ولما اشتد بي الجوع ونفد الزاد وبحثت حولي فلم أجد سوى هذا الإله، نظرت إليه واستغفرته وقمت بالتهامه، تذكرت ذلك فأثار ضحكي وسخريتي مما كنت أؤمن به، وكنت في الجاهلية وقد رزقت بولد"أنثى"ولم تنقض بضعة شهور حتى أخذني الخوف من العار بأنثى فأخذت معولي بيد وحملت الأنثى بالأخرى صاعدًا قمة تل وهممت بالحفر بالمعول والأنثى بيدى الأخرى، وتصبب وجهي عرقا، فنظرت إلى الأنثى ورأيتها تنظر إلى عيني وتبتسم وقامت بمد يدها الصغيرة إلى جبهتى لتزيل ما تصبب من العرق، فلم تأخذني بها شفقة ولا رحمة وأكملت ما شرعت فيه من وأد للأنثى ووضعتها والحياة تنبض فيها فيما أعددته من حفرة وأهلت فوقها الرمال، وأكمل عمر بن الخطاب روايته بقوله إنه بتذكره لتلك الواقعة غلبته الدموع، وأجهش عمر في البكاء ثانية ...
كان هذا حال الجيل الأول من المسلمين وقد أضاء نور الإيمان قلوبهم، وطهرت العقيدة ضمائرهم ومشاعرهم وسكنت التقوى قلوبهم فأخذوا احتياطا لدينهم يحذرون شُبَهَ الوقوع في الشرك ظاهرا وباطنا، ويخضعون كل تصرفاتهم لموازين الشريعة وقيمها ومقاييسها، وينبذون كل عمل لهم في الجاهلية تساورهم في شأنه الظنون، من ذلك أن بعض المسلمين كانوا في جاهليتهم يسعون بين الصفا والمروة وعلى قمة كل منهما صنم] [1] [فلما جاء الإسلام وكسر الرسول صلى الله عليه وسلم الأصنام وطهر البيت الحرام منها جميعا، أنِفوا السعي بينهما وقالوا:"إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية"، وقال آخرون من الأنصار:"إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة"، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} . وفي صحيح مسلم من حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: (أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) .
وروى الإمام مالك في الموطأ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ، فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ
(1) - هما إساف ونائلة نسجت حولهما قصص وأساطير لا صحة لها.