وعلى الحجَر، وكأن رُوح الجبل برسوخه وسر الوحي سرَى في الصاعدين إلى هذا الجبل الوَقُور، وأنت في طول رحلتك الشاقة هذه على سماع مستمر لذِكر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبلُغَات مختلفة؛ من تركي، وباتان، وعربي، وغيرها، وقد كانت إقامتي قريبةً من جبل النور، وهذا من فضل الله ومنَّته، فكنت أتأمله كثيرًا ومرات عديدة في اليوم، فيخيل لي أن لقِمَّتَه هذه التي أتكلم عنها من الإشراق ما لا أرى للجزء الآخر منه، وهو قاعدته، وكأن هذه القمَّة صِيغت صياغة أخرى في تكوينها؛ فهي قمة منيعة كأنها وقنة نَسْر [الوقنة: محضن الطائر في الجبل] ، أو مرصد قائد، أو نجعة المتأمل الذي يرمق الأُفق البعيد بنافذ بصره، أو هي محراب المتعبد المتبتِّل الخاشع، الذي هجَر الدنيا وأهلَها، وهُرِع إلى ربِّه يناجيه ويأنَسُ به، ويُطلِق رُوحه الوثاب ليعانق إشراقات النور الباهر أو .... أو هي قمة جبل النور التي اختارها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه مكانًا يعبُدُ فيه ربَّه بعيدًا عن أصنام قريشٍ وخرافاتها وضوضائها، وهي المكان الذي كان ملتقَى أول إشعاعات الوحي الإلهي على قلبِ الحبيب المصطفى صلوات الله عليه، لتكون هذه الرسالة قمةً بين الرسالات كقمَّة هذا الجبل، وعرة على من يريدها بسُوءٍ كوعورته، عصيَّة على مَن يكيد لها.
يتسلق إليها المسلمون على اختلاف أجناسهم بدون انقطاع بسيل هدار يملأ الدنيا بهدوء وحكمة ورويَّة، كهدوئهم في صعود هذا الجبل الأبيِّ، ولقد تأملت في هذا الجبل وفي الجبال التي مِن حوله مرات ومرات، فما وجدته إلا كما وصفت لك من مَنَعَتِه وإحكامه، وما وجدت بين الجبال الكثيرة من حوله ما يشبهه، وأظن أن من يقرأ وصفي له سوف يهديه نظره إليه بمجرد أن يراه دون أن يسأل أحدًا عنه .. وبالطبع إذا ما كان قريبًا منه وقارن بروية بين هذه الجبال الكثيرة وأسلوب تكوينها، ولو وصف لي كما أصفه لك الآن لما بقيت أيامًا بجانبه وأنا لا أعرفه، واختيار هذا المكان من النبي صلى الله عليه وسلم ليس اختيارًا عاديًّا؛ فإنك لن تجد في جبال مكة كلها ما يساويه، من حيث إنه يفتح باب التأمل، يطل على بيت الله، ويتصل منه بشعاع لا ينقطع، وينأى عن خرافات أهل مكة، وهمج قاطنيها، ويغتسل كل لحظة بالغمام الطَّهور، وتصافحه مواكب النسيم، وتقبِّله قطرات الندى، ولولا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم فوق العبقرية وأجلُّ، لقلت: إنه اختيار عبقري، ففيه كل ما يطلبه ذو اللب من صفاء ذهن، وفتح لآفاق الفكر .. وانطلاقه في فسح تلك الأودية عبر تلك الصخور، على قمم تلك الجبال، خلال ظلمات تلك الكهوف، خلف مرامي تلك الخيالات، في طهر ذلك الغمام الذي يغمرك وأنت تصعد ذلك الجبل، معانقًا أشعة الشمس أول ما يبدو حاجبها الفتَّان من خلف الغار، وآهٍ من ذلك الشعاع، ما أجمله وما أروعه! شعاعها على جبل النور له ضياء من النور آخر .. وبريق من الجمال مختلف جدًّا.