الإعجاز البشري للرسول
صلى الله عليه وسلم
منذ أرسل الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة، لم تسكت لحظة فوهات المدافع التي تقصف كل ما فيه ليل نهار عن الاتهامات الباطلة، وإساءات واهنة تستهدف شخصه، وأهله، وعرضه، ورسالته، والكتاب الذي أنزل عليه، ومن يتبعونه، والعقيدة التي يدعو الناس لاعتناقها، والشريعة التي يقيمهم عليها، والأخلاق التي يوصيهم بالتحلي بها، والعادات التي يأمرهم بالتخلي عنها، والعبادات التي يلزمهم بأدائها.
ولم يسكتوا عن جلب كل نقيصة وإلصاقها به صلى الله عليه وسلم، والسعي إلى نفي كل محمدة أصيلة فيه، حتى نفوا عنه الإتيان بمعجزات كونية لينفوا عنه النبوة، وقد عموا وصموا عن قراءة تاريخ الأديان الذي ينفي أن يأتي رسول ممن أرسلهم الله تعالى بغير آيات بينات دالة على صدق رسالته، والذي وقع من تلك المعجزات في - غير رسولنا الكريم حق رسل الله تعالى، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام هي معجزات حسية، أما المعجزة الظاهرة في حق الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم فهي"القرآن الكريم"وهي معجزة عقلية، وعلة هذا ما يذكره السيوطي في الإتقان: (وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر) .
وقد فهم بعض الكتَّاب المحدثين من خصوصية هذه المعجزة العقلية هو نفي المعجزات الكونية عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، مثل قول الكاتب الراحل أحمد بهجت في كتابه"أنبياء الله": (وأجمل ما يقال عن معجزات النبي بعد بعثته، إنه كان بلا معجزة، بلا معجزة سوى تحرير العقول، بلا خوارق سوى إطلاق الفكر) ، وهو كلام مردود عليه بالمعجزات التي أثبتها الله لنبيه في القرآن الكريم، وسواها كثير مما أثبتته السنة المطهرة، ودلائل عقلية كذلك.
يزيد هذا الكتاب على المعجزة العقلية، والمعجزات الكونية، الإعجاز البشري في حقه صلى الله عليه وسلم وليس بجديد حين نجاهر بالقول مع من قال: إن عظمة نبي هذه الأمة لا تكمن في عصمته وارتفاعه عن أفق البشر - ومالعظمة في هذا إذا كان الأمر محض اختيار وترتيب إلهيين لاتعليل لهما - بقدر ماتَكْمُنْ في ارتفاعه هو بجهده واختياره إلى آفاق المسئولية الكونية دون أن يفارق بشريته صلى الله عليه وسلم.