على كثرة ما كتب المفكرون عن النواحي الإعجازية في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم تبقى سيرته نهرًا مغداقًا، يغترف منه يراع صاحب كل فكر؛ ليخرج منه برؤيةٍ جديدة، وزاوية يرى منها ملمحًا إعجازيًّا بشريًّا ونبويًّا يلفت الأنظار، ويدهش العقول.
ومع كثيرٍ ممن تناولوا معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة والأخلاق وغيرهما، يقف الثبات شاهدًا آخر على هذا الإعجاز.
لاتنضم الأمانة إلى الصدق في موكب الأخلاق التي يتحلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحدها، يقول خالد محمد خالد [1] : (ومع الصدق، تجيء معجزة أخرى من المعجزات الأصيلة والخليقة بالتقدير، متمثلة في هذا القدر الباهر من الثبات والمثابرة: ثبات الرسول وثبات أصحابه العُزل والمستضعفين. كان ثبات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكان إصراره ومُثابرته، ثم من بعد ذلك كله أو معه، كانت تضحياته المتألقة، والمتفوقة، تصنع وتصوغ وتكتب تاريخًا جديدًا لشرف الإنسان، وشرف الإيمان، ولقد يبلغ رجل ما من الرجال أعلى وأسمى آفاق الثبات والتضحية والمُثابرة، نتيجة احتوائه على قدرات عقلية ونفسية هائلة، أما أن ينتقل نفس القدر من التضحية والثبات والمثابرة إلى الآخرين الذين لا يمتلكون مثل قُدرات نفسه وعقله وروحه، والذين لا يدفعهم من دوافع الدنيا وطموحاتها أي دافع، والذين يرسلون خواطرهم نحو المجهول، فلا يجدون على جانبيه إلا أخطارًا مُحدقة، وشدائد مبرحة، ومِحَنًا تزحم الطريق الطويل، أقول: أما أن يحدث، فالأمر إذًا أمر إعجاز فريد، بقدر ما هو مجيد، أقول: أمَّا يتصدر صفوف المبكرين بالإسلام ثُلةٌ من صفوة قريش وحكمائها، معرضين شرفهم الرفيع وجاهَهم العريض، وزعامتهم، ومكانتهم لإسفاف المشركين وسفالاتهم، وكيدهم الأحمق، وأذاهم المسعور، دون أن يكون هناك مغانم ينتظرونها، وأماني يترقبون مجيئها، واثقين - لا غير - بكلمة واحدة واعدة همس بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في آذانهم: الجنَّة!! فهذا إعجاز آخر، ولن يكون الأخير!) .
يثبت أبو عبدالرحمن سلطان عليّ http://www.alukah.net/Sharia/0/50987/ - _ftn 2 [2] أن إعجاز الرسول صلى الله عليه وسلم يكمن في كماله الأخلاقي الذي بلغ ذِروته في توازنه الأخلاقي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروة الكمال الإنساني في سائر أخلاقه وخصاله، وفي جميع جوانب حياته، وهو وجهٌ آخر من وجوه إعجازه الأخلاقي،