أما أهم ما يميز كماله صلى الله عليه وسلم فهو التوازن في أخلاقه؛ فهو رحيم دون ضَعف، متواضع بغير ذِلة، محاربٌ لا يغدر، سياسيٌّ لا يكذب، يستخدم الحيلة في الحرب، ولكن لا ينقض العهود والمواثيق، آمن خصومه بصدقه وأمانته، يجمع بين التوكل والتدبير، وبين العبادة والعمل، وبين الرحمة والحرب).
المقصود أن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصائصه تعمل ضمن منظومة متناسقة متناغمة، تتشابك جميعها لتأدية أغراضها، فلا تتوسع صفة أو تقوى على حساب صفة أخرى، كما لايمكن أن تعمل إحداها ضد الصفة التي تقابلها.
وجه العظمة يتجلى من خلال الموازنة مع الناجحين في الحياة، كالمشاهير والأبطال، والحكماء والمصلحين، على سائر الأزمان واختلاف الأماكن، حيث يقتصر نجاحهم ونبوغهم على مجالاتٍ وميادين معينة، فهذا في السياسة، وذاك في الأدب، والآخر في الرياضة مثلًا، ولكنهم قد يفشلون في غيرها، أو قد يكون مجال أكثر أهمية من مجال آخر عندهم، بل قد تجد رئيسًا ناجحًا في إدارة شؤون دولته المترامية الأطراف، غير أنه يفشل بجدارة في إدارة بيته.
ومظهرٌ آخر للتوازن هو ثبات أخلاقه، فرسول الله محمد هو نفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رضاه وغضبه، وفي سلمه وحربه، وفي عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وفي بيته وسوقه ومسجده، مع أزواجه وأولاده، ومع أصحابه، وفي جميع أحواله وشؤونه، وهذا الثبات قليلٌ في الناس أو نادر؛ فقد ترى أحدهم في رضاه فتعجب بمسلكه ولكن إذا غضب صار شخصًا آخر كأنه ليس هو فتتعجب منه، وهناك من تراه ضحَّوكًا بسَّامًا بين الناس، فإذا رجع إلى أهل بيته عبس وبسر، وتتعرف على الرجل في الحضر، فتراه فتعرفه بوجه، ويجمعك به السفر، فيسفر لك عن وجه آخر، وترى زعيمًا ما يفيض في السلم رقة وحنانًا، فإذا ما اشتعلت الحرب تحوَّل إلى وحشٍ فاتك! وترى السخي الجوَّاد في الرخاء، فإذا أصابته شدة ضنَّ بماله، وأمسك عن الإنفاق.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان سخيًّا نديًّا في سائر أحواله، رحيمًا في سائر مواقفه، وعلى ذلك فقسْ بقية الشمائل المحمدية، وسيرته صلى الله عليه وسلم غنية بالأمثلة والشواهد التي تدلُّ على توازنه الخلقي، مما لا يتسع لها المقام لكثرتها.