لم يغب عن بال من تناولوا سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الملامح الإعجازية في شخصه فإذا بهم يوردون تلك الملامح شذرات تضيء مؤلفاتهم إلا أنهم لم يفردوا لها كتبًا مستقلة، فمنهم من رأى خلقه وصفاته النفسية وكمالاته صلى الله عليه وسلم يقوم كل منها معجزة وحده، بينما رأى آخر أن صدقه كان معجزته الأولى صلى الله عليه وسلم، ورأى أحدهم أن شخصيته وأفكاره صلى الله عليه وسلم كانت المعجزة، ويؤكد آخر أن سيرته صلى الله عليه وسلم تبقى المعجزة، والذي رأى في تربيته صلى الله عليه وسلم للصحابة رضوان الله عليهم في حد ذاته معجزة، والمعجزة المقابلة لها هو حب الصحابة له صلى الله عليه وسلم، وينبري أحدهم بأن ما فعله صلى الله عليه وسلم في دنيا الناس هو المعجزة، بينما انتشار الإسلام كدين يدين به الناس بهذه السرعة وهذا الحب هو المعجزة.
يلفت مصطفى لطفى المنفلوطي أنظارنا التي تسير سيرًا خاطئًا في إثبات معجزة الرسول بالدلالة على أخلاقه صلى الله عليه وسلم، بينما هو يعكس ذلك المفهوم المتجذر فينا حيث يرى أن صفات الرسول النفسية وكمالاته هي المعجزة الدالة على تصديق الناس ما أوتي على يديه من خوارق المعجزات، بل أن ما كانت قريش لتصدق دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم إلا لأنها تصدقه هو بشخصه وجوامع خلقه الكريم فما كان لمثل محمد احتياج لكل هاتيكَ الخوارق مهما كان قدرها.
إذ يقول [1] http://www.alukah.net/Sharia/0/45417/ - _ftn 1:
(إن في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية ما يغنيه عن خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو الهواء إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه، وحلمه، وصبره، واحتماله، وتواضعه، وإيثاره، وصدقه، وإخلاصه أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى وانشقاق القمر، ومشي الشجر، ولين الحجر؛ وذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى، من الشبه بينها، وبين عرافة العرافين، وكهانة الكهنة، وسحر السحرة، فلولا صفاته النفسية، وغرائزه، وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريده، ولا تركت له المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر الذي تركته؛ ذلك هو معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [2] .