فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 147

الوفاء".. معجزته صلى الله عليه وسلم"

لمَّا ثبت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق - وهي صفة عظيمة تتجاور إلى جانبها صفات أخريات، بل تتولد عنها صفات رائعات - ثبت في حقه أيضًا الوفاء الذي هو أخو الصدق، وقد عدد الرسول صلى الله عليه وسلم الصفات ونقائضها بتراتبية عجيبة بدأها بالإيمان، وثنى عليها بالصدق، وأقام بعدهما الوفاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" [1] .

قال ابن حزم: (الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة) [2] ، فيما يثبت أن الصفات الطيبة تجمعها التكاملية، كما تتجاذب الصفات السيئة في الشخص الواحد.

وكيف لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم وفيًا والوفاء سجيةٌ وطبعٌ مركوز فيه؟! وهو الذي إذا تلمسه المُطالع لسيرته يستبينه فيها دون عناء؛ فالوفاء عنده صلى الله عليه وسلم دروب متنوعة حتى يخال المرء أنه عَمَّ كل حياته كأن ليس فيها إلا تلك الخصلة؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم وفيًا مع ربه عز وجل، ووفيًا في عهوده حربًا وسلمًا، وفي معاملاته، ولأمه في مروره على قبرها في غدواته وروحاته، ووفيًا لأقاربه المؤمن برسالته والكافر، ويقف عمه أبو طالب خير شاهدٍ على ذلك، ووفيًا لمن أرضعنه ثويبة وحليمة السعدية، ولمن رعينه منهن أم أيمن وفاطمة بنت أسد، ووفيًا لأصحابه رضي الله عنهم حتى من أخطأ منهم خطأً جسيمًا كحاطب بن أبي بلتعة، وفيًا صلى الله عليه وسلم لعهوده وشروطه حتى مع أعدائه ويكفي مثالًا"صلح الحديبية"وإرجاع أبي بصير إلى قريش مع مجيئه إليه مسلمًا، بل امتد هذا الوفاء النبوي حتي عَمَّ الحيوان والشجر والحجر.

أما الذي استرعى الانتباه فهو وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه الأول خديجة رضي الله عنها والتي سبقت إلى الدار الآخرة في حضور زوجة صغيرة، مليحة، على قيد الحياة، في واقعة استلفتت الكافة من عرب ومن عجم فأداروا فيها الفكر وأمعنوا فيها النظر، وتلك الواقعة نقلتها لنا السيدة عائشة، فقالت رضيَّ الله عنها:"اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ؛"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت