لن يجد الباحث المحايد صعوبة في تقصى الأسباب التى قيضها الله تعالى لنشر دين الإسلام إذا ما جد في البحث عن تلك الأسباب في ذات الدين ومادته بتروٍ ومنهجية علمية لاتنقصها النزاهة، أو قرأ العديد من الدراسات المستفيضة في عالم الشرق أو الغرب تلك التي تعزو الأسباب لمظانها الحقيقية أو الانقلاب عليها لإفراغها من مضمونها بسوء طوية حقدًا على الإسلام، أو وضع العراقيل التي تعطل زحفه الهادي الهاديء الهادر نحو القلوب، فمن قائل بحق: إن قوة الإسلام التي ما تزال سببًا في سرعة انتشاره وإقبال رواد الحق إليه، إنما هيَّ في قوة الحق الهادي الذي يرونه باديًا على محياه. وهو حق يتضافر على إبرازه الوحيان: كتاب الله المنزل وسنة رسوله المبينة، ولا بقاء له بأحدهما دون الآخر، أو أن الإسلام دين سماحة ويسر، شُرعت أحكامه ليعتنقها أكبر قدر ممكن من البشر كما يقول الشاطبى: (ومنها أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها ليسعه الدخول تحت حكمها، أما الاعتقادية فأن تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل بحيث يشترك فيها الجمهور، من كان منهم ثاقب الفهم، أو بليدًا، فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة، ولم تكن أمية، وقد ثبت كونها كذلك) [1] .
أكثر سر انتشار الإسلام بارزٌ في فطرته، وكَوْن دين الإسلام دين الفطرة هو أنه: موافق لسنن الله تعالى في الخلقة الإنسانية؛ لأنه يعطي القوى الجسدية حقوقها والقوى الروحانية حقوقها، ويسير مع هذه القوى على طريق الاعتدال حتى تبلغ كمالها، ومعنى ولادة كل مولود على هذه الفطرة؛ هو أنه يولد مستعدًّا للارتقاء بالإسلام الذي يسير به على سنن فطرته التي خلقه الله عليها بما يبين له أن كل عمل نفسي أو بدني يصدر عنه يكون له أثر في نفسه، وأن ما ينطبع في نفسه من ذلك يكون علة سعادته أو شقائه في الدنيا والآخرة، فإذا فهم هذا وأدركه يظهر له أنه سُنة الفطرة وناموس الطبيعة، وإذا كان له أبوان - وفي معناهما مَن يقوم مقامهما في تربيته وتعليمه - على غير الإسلام يطبعان في نفسه التقاليد التي تحيد به عن صراط الفطرة [2] .
ويكمن السر أيضًا في سماحة الإسلام؛ إذ يضع الإسلام قوانين عادلةً رحيمة مع الأعداء، بدون تدمير، أو ظلم، أو إبادة، أو انتقام؛ فالقرآن يَهدِي للتي هي أقوم، والرسول صلى الله عليه وسلم ابتُعِث رحمةً للعالَم كُلِّه مُسلمِه وغير مُسلمِه [3] .