لو شاء الله عز وجل أن يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئًا كاتبًا لما أعجزه ذلك بداهةً حاشاه ولكن شاءت إرادته تعالى أن يجعل نبيه بليغًا في أقواله أي بلسانه دون أن يخط حرفًا بيمينه، لتقوم المعجزة في شأنه صلى الله عليه وسلم أولًا، وشأن ما بعثه به والكتاب الذي معه ثانيًا.
ولو كان صلى الله عليه وسلم مُجيدًا للكتابة والفصاحة، ما كان له أن يصل بقريحته وذهنيته إلى مثل ما جاء به من ربه تعالى وهو القرآن الكريم، ولكن ربما شكَّلَت عند العرب إعجابًا عظيمًا لو نسبوا آيات الكتاب له، بيد أن القلة العالمة الفاهمة سيدركون أن هذا الكلام الفائق عن قدرة البشر ليس من تجليات محمد بن عبدالله، وسيقرون فعلًا بكونه وحي السماء له، غير أنهم في النهاية"قِلة"وما أرسل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه ورسالته لقلة، وإنما هيَ رسالة عالمية خاتمة تفيض على البشرية كلها بأنوارها، لتستوعبها جميعًا بقلوبها وعقولها.
إذن فلم يكن عسيرًا على الله تعالى أن يعطل ملكة تعلم القراءة والكتابة عند رسوله صلى الله عليه وسلم ويطلق الفصاحة والبلاغة المدهشة المعجزة دون الملغزة لتتلقاها العقول والأفهام، وتتأملها الألباب وتتحير في نسبتها لا إلى محمد وحده بوصفه"أمي"ولا إلى غيره من بلغاء وفصحاء العرب بحيث يصدقون أنه اقتبسها منهم أو علمه أحدهم إياها، ولا يقاس بالتالي أسلوب القرآن الكريم على أيٍّ من الأساليب التي توارثوها أو برعوا فيها، بل بلغ من تحدي الله عز وجل لهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله أو بعشر آيات على منواله. فطاش صوابهم، واجتمع رؤسائهم لا على كيفية الإتيان بمثله، ولكن لتدبير المكائد للرسول صلى الله عليه وسلم من اتهامه بالكهانة والسحر والشعر والجنون، وكانوا فيما بينهم يعلمون أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم هو الحق، وأنهم كاذبون في الذي ادعوه عليه، وأن ما أتى به ليس من كلام البشر ولا يستطيعونه، ومن هنا تجلَّت"معجزة القرآن"وما كانت لتبدو إلا في كنف"رجل أمي"لتصبح الأمية في حقه صلى الله عليه وسلم شرفًا، وانبهارًا وإعجازًا.
وبالرغم من أن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أمَّةٍ أُمِّيَّة لا تكتب ولا تحسب، إلا أن هناك من العرب المكيين من كان يعرف القراءة والكتابة أمثال: أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سفيان بن حرب وابنه معاوية، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي؛ فلقد استعمل العرب الكتابة في أعمالهم التجارية وفي تسجيل أحداثهم اليومية، وقد كتب بعض أهل