فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 147

الصعود والانقطاع".. معجزته صلى الله عليه وسلم"

من أسف أن غار حراء وصعود الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ثم انقطاعه فيه طوال شهر رمضان لمدة ثلاث سنوات يختزله العقل المسلم - أغلبه - في لحظة نزول القرآن الكريم، ثم نزوله صلى الله عليه وسلم منه، وهي لحظة فارقةٌ في تاريخ البشرية، توقف عندها الكثرة الكاثرة من أدباءِ ومفكري العالم شرقًا وغربًا.

هذه اللحظة التي تبدأ مع زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها، وكيف أن الحياة الجديدة الزاخرة بكل صنوف الراحة وأسباب السعادة لم تستقطبه!

فيعكف في ظلمة الليل وحيدًا في ذلك الغار يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، ولو كان غيره مَن انتقل هذه النقلة الاجتماعية لكان همه تنمية الثروة؛ لينمو حظه من مباهج الحياة ومتعتها، كان قادرًا صلى الله عليه وسلم على أن يأخذ نصيبه من الراحة، ينام متى أحب، ويأكل ما شاء، متى وكيف يشاء، ويلبس الفارِهَ من الثياب كما يحلو له، لكنه لم يفعل.

تقول الدكتورة بنت الشاطئ [1] :

(ونامت الدنيا، لا تُلقي بالًا إلى رجل من بني هاشم، ابن امرأة من قريش تأكل القديد، قد أوى إلى غارٍ هناك مستغرقًا في تأمله، يلتمس في العتمة الداجية شعاعًا من نور الحق، وينشد في خَلوته أنس الهدى وراحة اليقين، وخواطره تحوم حول البيت العتيق الذي رفع إبراهيمُ القواعد منه وإسماعيل(.

تأمل محمد علي بن حسين الحريري رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم المنتظمة سنويًّا إلى غار حراء، فقال [2] :

)إن صعودَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار وحده وتحمُّله المشقة في سبيل ذلك معجزة، إن التأمل في غار حراء وصعوبة الارتقاء إليه في جو لاهب من الحر والريح الجافة لتؤكد للناس عبر القرون أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان مؤيدًا ببأس قوي وعناية رب العالمين، عندما ينقطع في الغار اللياليَ ذواتِ العدد لا يعبأ بالوحشة والانفراد، ولا يتسلل إلى نفسه الشريفة خوفٌ من الوحوش والأفاعي، مما يجعل انقطاعه صلى الله عليه وسلم بالغار معجزةً مستقلة تؤكد صدقه صلى الله عليه وسلم وصبره على تلقِّي هذا الأمر العظيم من الوحي والنبوة والتبليغ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت