فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 147

لا يبالغ الحريريُّ في وصف الصعود بالمعجزة، ولعل مَن رأى صورة الجبل أو تابع رحلة صعود أحدهم إليه مرئيًّا قد تعطيه انطباعًا ما، غير أن الأمر يتوقف أولًا على وصف الجبل والغار، ووصف مَن صعِد وروى تجرِبته؛ ولذا فمن المستحسن أن نتعرف على جبل النور ذلك الذي يصل ارتفاعه حوالى 642 مترًا، وهو جبل شاق على من يصعده؛ ذلك لانحداره الشديد عند ارتفاع 380 مترًا، حتى يصل إلى ارتفاع 500 مترًا، ثم يستمر بانحدار 5.25 كم 2، ويقع هذا الجبل في الشمال الشرقي لمكة المكرمة، وليس له غير ممر وحيد لارتقائه من ناحية الجنوب الغربي، ويمكن تقسيم صعود الجبل إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى - وهي أصعبها وعورة ومشقة - تبدأ من عند لوحة كبيرة وضعتها هيئة الأمر بالمعروف، وهذه المرحلة صعبة لدرجة أن الذي ينوي صعود الجبل ربما تردد عندها ليقنع نفسه بالتراجع عن قراره بالصعود؛ وذلك لِما سيلاقيه من إرهاق شديد، في الثلث الثاني تبدو الوعورة أخفَّ وأرحم، ومما ييسر المشقة وجودُ صخور مطلية باللون الأبيض، كعلامات لترشد صاعد الجبل بأسهل الطرق التي يجب أن يسلكها، وهي الطرق التي تزخر بالصخور المتقاربة لتكوِّن ما يُشبِه العتبات الحجرية غير المتناسقة، بينما يبدو الثلث الأخير هو الأيسر صعودًا؛ لوجود درجات عشوائية قام بعملها بعضُ المتطوعين ممن سبق لهم الصعود، بُغية الثواب من الله تعالى.

أما عن موقع غار حراء، فهو يقع على يسار قمة جبل النور، وهذه القمة تشبه الطربوش الذي يُلبَس على الرأس، أو كسَنام الجمل، أو كالقبة الملساء، وهي عبارة عن فجوة، بابها باتجاه الشمال، طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع الذراع، يتسع للرجل البدين، ويقف فيه الرجل الفارع، ويتسع لبضعة رجال يصلون ويجلسون، ولكي تصل إلى الغار لا بد من النزول عبر عتبات للمدخل المؤدي إلى الغار، وهذا المدخل عبارة عن صخور كبيرة متراصَّة بعضها فوق بعض، بينها فجوة صغيرة شديدة الضيق بطول نحو ثلاثة أمتار، لا بد من اجتيازها بحذر وبشكل أفعواني يتناسب مع تكوين تلك الصخور الغريبة؛ لأنها مُسنَّنة ومدبَّبة كأنها مزلاج، والعابر منها كأنه مفتاح، ما تلبَثُ أن تمر من هذا المدخل العجيب حتى تستوقفك صخرةٌ أخرى مستوية تكفي لجسد إنسان يتمدَّد عليها، بعدها على يسار الداخل يجد باحة ضيقة، وفوقه يجد سقف الجبل كالأم الحانية يغطي المكان كلَّه حمايةً لمرتاديه من برد الليل وحر النهار، وأيضًا من الأمطار الموسمية، وإذا ما قادَتْك أقدامك عدة خطوات ستفاجئك باحة صغيرة مفتوحة، مساحتها الكلية لا تتجاوز ستة أمتار مكعبة، تستطيع أن تشاهد السماء منها، والأودية على الجانبين الغربي والجنوبي من الجبل.

لا تكاد تسير باتجاه القِبلة حتى تشاهد غار حراء؛ فالداخل للغار يكون متجهًا للكعبة مباشرةً، والغار عبارة عن تجويف صخري صغير داخل حجارة عظيمة رصَّت بعناية إلهية واضحة كالمظلات الشمسية، أيضًا باتجاه القبلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت