فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 147

تعلوها فتحتان صغيرتان تجددان هواءه، يأنس الناظر من إحداها برؤية منارات المسجد الحرام وهي شامخة في عَنان السماء؛ وذلك لوجود انحناء بالغار، ويتسع غارنا الحبيب - الذي احتضن الحبيب صلى الله عليه وسلم - لخمسة أشخاص جلوسًا، وارتفاعه قامة متوسطة.

هذا الوصف للغار استقيتُه من فريق من قناة العربية ممن صعدوا وروَوْا تجرِبتهم الوحيدة المضنية الجماعية النهارية التي لم ولن تتكرر، ولقد بذلتُ أيضًا مجهودًا مضنيًا حتى استطعت أن أستخلص هذه المعلومات وأبسطها أمام القارئ حتى لا يختلط عليه الأمرُ بين وصف الجبل وبين وصف مدخل الغار، انتهاءً بوصف الغار، مرورًا بوصف قمة جبل النور، ومن المؤكد أن من قرأ الوصف السابق قد بذل جهدًا مضنيًا في قراءته واستيعابه، إذًا فما بالنا بمن صعِد وحده صلى الله عليه وسلم ومكث فيه شهرًا كاملًا، ثم كررها لعدة أعوام! أي جهدٍ مضنٍ بذَله صلى الله عليه وسلم دون أن يذكره لأصحابه ولا لأزواجه، سواءٌ على سبيل الفخر أو المنِّ أو على سبيل التذكُّر.

وبعد استعراضنا لوصف ومشقة الصعود، سيتجلى إعجازُ الصعود أكثر حين نطالع تجارِب مَن روَوْا ذكرياتهم حول شرف المحاولة، وذلك بالتتبع التاريخي لرحلاتهم من قديم وحتى أيامنا هذه، ليشهد بذلك على امتدادية تلك اللحظة بنفس زخمها وقوتها وإعجازها وتأثيرها في نفوس وقلوب من صعِدوا؛ ولهذا فسنبدأ مع قدامى مَن حاولوا، انتهاءً بآخرِ مَن صعِد.

يقول الشيخ الفقيه والأديب والقاضي السوري علي الطنطاوي [3] ، الذي حج حين كان طالبًا يَدرُس بمصر، وأرسلته الدولةُ المصرية مع بعثة طلابية للحج في النصف الأول من القرن العشرين، وهو آنذاك - رحمه الله - رياضيٌّ فتيٌّ، فيقول واصفًا الجبل والغار ورحلة الصعود المضنية: (كان الجبل بِدْعًا في الجبال، جبلين ركب أحدهما فوق الآخر .. أما الأسفل فجبل عادي، وأما الأعلى فقطعة واحدة من الصخر الأسود الأملس كأنه بيضة كسرت رأسها، ثم أقمتها عليه، أو كأنه قبة مصنوعة"بالإزميل"ذاهبة في السماء ... كنا قد بلغنا القمة بعدما تقطعت أنفاسنا، ونشفت حلوقنا، وبلغت أرواحنا التراقيَ، ونظرنا فإذا نحن كالمعلَّق في السحاب، وإذا الدنيا كلها أسفل منا، وإذا نحن لا كمن هو على ظهر جبل، ففى الجبال ما على ظهره من فلوات فساح، بل كمن على ظهر عمارة سامقة، وإذا ذروة الجبل لا تزيد مساحتها عن مساحة غرفة من الغرف، أما الغار فكان تحتنا في مكان لا يمكن أن يصل إليه إلا من يتدلَّى ثم يمر من شق في الجبل حتى يبلغ فرجة في الصخر، كأنها وَكْرُ نَسْرٍ، ما أحسب طولها يعدو المترين، ولا يبلغ عرضها المتر، وكان هذا غار حراء ... فقلت في نفسي: إننا لم نصل إلى القمة ونحن جماعة، ونحن نصعد على درج منحوتة، حتى أشرفنا على الموت، فكيف كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يصعد وحده، وكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت