عرف مكان هذا الغار، إلا أن يكون قد ارتاد هذه الجبال كلها وبلغ أعاليَها، وكيف كان يقيم وحده اللياليَ ذواتِ العدد، وما حوله إلا هذه الجبال السُّود، وهذه الوحشة الصامتة الراعبة؟ ونظرتُ فإذا كل شيء من حولي صامتٌ صمتَ الرهبة، ساكن سكونَ الجلال لا نأمة ولا حس ولا حركة، ولا شيء يشغَلُ الإنسان عن التفكير في السماء، والكعبة تبدو من بعيدٍ وسط هذا الإطار الصخري، فمن كان في الغار كأنه في الدنيا وما هو في الدنيا، يرى الكعبة وحدها فيتصل منها بكل ما هو سماوي طاهر، ويخفى عليه كل شيء غيرها، فينفصل عن كلِّ ما هو أرضي ملوث).
في وصف أدبي ماتع حديث نسبيًّا، كتب الأديب والشاعر الشيخ إبراهيم الحمدو العمر، عن رحلته للحج وإقامته بمكة المكرمة بالقرب من جبل النور، وذلك في أخريات عام 2009 ميلادية، تحت عنوان:"رحلة إلى غار حراء"، وقد سجل خواطر صعوده لجبل النور فجرًا مخافة الحرِّ، ظنًّا منه بأنه سيكون من السابقين، فيتفاجأ بالكثرة الكاثرة التي سبقته من الرجال والنساء على اختلاف الأعمار والجنسيات والألوان .. الكل يتتبعون خطاه صلى الله عليه وسلم، ويترصَّدون الأماكن التي مشى فيها، لكي يمشوا عليها، ولا تجد فيهم إلا متأمِّلًا متفكِّرًا معتبرًا، فأيُّ عظمة لهذا الدين؟ بل أيُّ سلطان لك يا رسول الله على قلوب أتباعك ومحبيك صلوات الله عليك وتسليماته؟! هكذا حدَّث نفسه.
سأنقل خواطر الشيخ إبراهيم العمر التي كتبها على غير ترتيب، بأسلوب قشيب، بتصرف غير مخلٍّ؛ لضيق المساحة، فيقول: (في نهاية الجبل وأنت تقصد الغار قمة وعرة جدًّا، وصعبة، وطريقها مخيف، والجبل مطلٌّ على الكعبة المشرفة، وقد رأيت منه منائر الحرم، والجبل في طبيعته على قسمين، كأنك منه في جبلين؛ فالقسم الأول قاعدة عريضة تعلوها قمة كالقلعة المستقرة على هذه القاعدة المتينة، أو قل: هي جبل صغير موضوع بإحكام فوق جبل كبير، وإن هذه القمة لتختلف حتى في طبيعة تكوينها اختلافًا لا يُخطِئه الناظر؛ فهي تكاد تكون مربَّعةً في شكلها لو نظرت إليها من بعيد، وهي تبدو للرائي كأنها صخرةٌ واحدة كبيرة، وبينما طريق الجبل الأسفل عريض يتسع لخمسة أو ستة أشخاص وفيه شيء قليل من سلاسة الصعود عليه وله من الطَّرَف الآخَر طريق آخر أيضًا، تجد طريق القمة ضيقًا جدًّا، يضيق في معظمه عن شخصين، وعر جدًّا، يكاد المتسلق عليه يفقد توازنه، وكثيرون هم الذين يحبون فيه حبوًا، خصوصًا من النساء وكبار السن، أو من يعتمد على عصًا، وليس لهذه القمة إلا هذا الطريقُ الضيق، فيدور معه الصاعد حيثما دار، والجميل في هذا الطريق الوعر أن سيل الصاعدين والنازلين الذي لا ينقطع لا يؤذي بعضهم بعضًا، ولقد قلت في نفسي: إن هؤلاء الذين يصعدون جبل النور على كثرتهم وضيق المكان بهم مع هذا اللُّطف والاحترام هم غيرُ أولئك الذين تراهم يزاحمون ويتدافعون عند البيت وفي الطواف