من جملة أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الكثيرة والكبيرة، يحتل"الصدق"ركنًا ركينًا فيها، استرعى انتباه زمرة من العلماء والمفكرين، وليس في هذا ما يدعو للاستغراب؛ فقد احتلت صفة الصدق في الدين الإسلامي مكانة كبيرة؛ فغير أنها مذكورة في القرآن الكريم بألفاظها"الصادقين - صدقوا - صدق"، إلا أن السنة المطهرة لم تغفل ذكرها في أحاديث كثيرة.
مرد هذا أن الصدق كصفة إذا تحلى بها إنسان تجاورت إلى جانبها صفات كثيرة محمودة، وذلك كما ذكر الماوردي في دلائل النبوة: (أن تكامل الأخلاق موجب للصدق، والصدق موجب لقبول القول) . يؤكد هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما:"أربعٍ من كن فيه ربح: الصدق، والحياء، وحُسن الخُلق، والشكر"، وما قاله لقمان الحكيم حين سأله أحدهم: ما بلغ بك ما ترى؟، فأجابه:"صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني".
للتنبيه على أهمية الصدق أن جاء ترتيب نقيضه"الكذب"وأعلاه الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم في ترتيب الكبائر بحسب ترتيب الحافظ شمس الدين الذهبي لها في كتابه"الكبائر"ب"الكبيرة الرابعة عشر"، وجاء في نهاية الكلام ترهيبًا عن الكذب في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب".
عَدَّ الإمام ابن القيم منزلة الصدق في درجة تالية بعد درجة"النبوة"وذلك لما له من أهمية قصوى؛ فالصدق عنده: (منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة"النبوة"التي هي أرفع درجات العالمين) . بل جعل الإمام ابن تيمية الصدق هو أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها.
إن الإسلام لا ينظر إلى الصدق باعتباره خلق فاضل يجب التَّخَلُّقُ به لا غير، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، يذهب إلى أن الصدق من متممات الإيمان، ومكملات الإسلام، ومن ثمراته الطيبة التي يجنيها الصادقون: راحة