فقال:"اللَّهُمَّ هَالَةَ"، قالت: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا" [3] ."
ولن نجد غير الأحاديث المروية لتنقل لنا تصوير حدث استقبال سؤال أمنا عائشة المباغت، ففى مستدرك الحاكم ومسند أحمد نقلا قول عائشة رضى الله عنها عن موسى بن طلحة:"فتمعر وجهه تمعرًا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحى"والتمعر هو تغير في الوجه تعلوه صُفرة، أما في صحيح مسلم فكان قول عائشة:"فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب"، ولمتخيلٍ أن يتخيل ماذا سيجيب رجل بمثل هذا الغضب، وتغير الوجه حتى أنه لعظم غضبه صلى الله عليه وسلم شبهته السيدة عائشة بما يعتوره من تعب تلقي الوحي، إذ كان نعت عائشة لخديجة رضي الله عنهما ب"حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ"أي العجوز التي سقطت أسنانها من الكِبَر، نعتًا قاسيًا على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سؤال زوجه عائشة زاجرًا ورادعًا:"والله ما أبدلني الله خيرًا منها".. وأخذ يعدد مناقب زوجته السابقة كأحسن ما يناجي الحبيب حبيبه، وهذا علي خلاف المتوقع:"آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء" [4] .
مكمن الإعجاز في الجواب، أن الرسول صلى الله عليه وسلم فضَّل الزوجة المسنة المتوفية، علي الزوجة الصغيرة المليحة التي مازالت معه حية ترزق ولم يكتف بهذا، بل أخذ يدلل علي سر عظمتها عنده واستحقاقها لهذا الوفاء الصادق نقطة نقطة إلي أن وصل إلي النقطة الفارقة بينهما ألا وهي الإنجاب فلم يؤلمها بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم بشكل ضمني يفهم سامعه المراد منه:"دون غيرها من النساء"، ولا يظن ظان أن حسم إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم صدرت منه بهذه الحدة الظاهرة عن كره لزوجته الحالية، كلا .. فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب السيدة عائشة حبًا شديدًا اعترف به صراحة ودون مواربة أمام صحابي جليل هو عمرو بن العاص حين سأله ذات مرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا" [5] ."
هنا يكمن سر الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم عندما تكلم عن زوجة سابقة أحبها في حضور زوجة حالية يُكنُ لها الحب أيضًا، ولكنه في قرارة نفسه ظلت خديجة عنده سيدة النساء ليس كمثلها امرأة وإن تكن عائشة بنت صديقه أبا بكر الذي يكن له الحب أيضًا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يشعر بالبنوة مع خديجة،