ويشعر بحنان الأبوة مع عائشة، فقد كانت السيدة خديجة أمًا ترعاه، تمده وتتعهده بالعقل والحنكة، رافقته بدايات رحلة الدعوة الأولى وهو بعد يتلمس الأنصار الأكفاء لدعوته الوليدة، بينما كانت السيدة عائشة بنتًا يدللها ويرعاها، تدخل السرور على قلبه بطرافتها وجمالها وذكائها وعقلها وفطنتها، أكملت مع الرسول صلى الله عليه وسلم خواتيم رحلة الدعوة بعد الجهر والقوة والمنعة، كما صاحبته خواتيم حياته الشريفة نفسها فبين صدرها ونحرها كانت وفاته صلى الله عيه وسلم.
وتذكر كتب السيرة أن السيدة عائشة التي كانت الزوجة الأثيرة عنده صلى الله عليه وسلم وختم حياته في بيتها، لم تجرؤ بعد هذا أن تذكر السيدة خديجة أبدًا.
يقول توماس كارليل [6] منبهرًا بوفاء الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجته السابقة المتوفاة: ( ... كان وفاؤه وفاءً لا تحده حدود .... إنه لم ينس أبدًا زوجته الطيبة الكريمة الأخلاق خديجة. وبعد وفاة زوجته أم المؤمنين خديجة بوقت طويل، سألته زوجته الشابة، وهى امرأة كانت تشعر بمكانتها المتميزة بين نساء النبي، وسألته يومًا قائلة له:"ألستُ أنا الآن أفضل من خديجة؟ لقد كانت أرملة تقدم بها العمر، وكانت قد فقدت رونق شبابها. ألست تحبني أنا أكثر مما كنت تحبها؟ فقال لها:"لا، والله لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتنى إذ كذبني الناس، ورزقت منها الولد وحُرِمتموه مني) .
حين نسمي هذا إعجازًا في كوننا لا نضعه على قائمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما نقصره في بشريته وحسب، فعلى من رأى أن الأمر جد يسير فليطبقه على نفسه ويرى ما هو فاعل وقائل في حضور زوجته إذا ما ذكر لها طرفًا يسيرًا من سيرة زوجة سابقةً عليها قضت، أو ضمها معها وهما على قيد الحياة .. فهل سيكون بمثل هذا الوفاء؟! وهنا يتبدى الإعجاز في وفاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينضم إلى سائر صفاته المعجزة التي سقناها والتي لم نسقها بعد.