فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 147

لا ينفي أن يكون الإنسان مرسلًا من عند الله وله ملكاته الشخصية، ومواهب يتحلى بها، والنبوة ولاخفاء شرفٌ عظيم تدين له الرؤوس والقلوب، ولكن النبوة وحدها بغير"شخصية"تناسبها لم تكن كفيلة لذات النبي بهذه الهيبة وهذا الحب والإعجاب جيلًا كاملًا حافلًا بالعظائم والتجارب مزدحمًا بأطوار النصر والهزيمة، وعوارض الرجاء والقنوط .. فلو لم يكن محمد يملك من صفات القدرة والشجاعة والبلاغة والتدبير والمهابة وحسن الأثر في النفوس نصيبًا أوفى من نصيب أصحابه وأتباعه لما دانت له هذه الأطواد الشوامخ بالتطامن والاطمئنان، ولما انقضى الزمن على هذه الصحبة دون أن تظهر فوارق الصفات الشخصية إلى جانب فوارق النبوة وفوارق الدعوة وما تقتضيه من الإصغاء بوحي الإيمان، دون وحي العاطفة والبديهة [1] .

فالمواهب الشخصية للرسول وماجَبُلَ عليه من صفات وطباع تختلف من رسول لرسول فلا يمكن أن يكونوا جميعًا شخصًا واحدًا، ومع كونهم أخوة إلا أن أمهاتهم شتى وبيئاتهم شتى وعصورهم وأقوامهم وكذلك معجزاتهم متباينة من حيث الشكل متحدة من حيث جوهر الدين وفحوى الرسالة فدين الله واحد ألا وهو الإسلام، وإلا ما كان نبينا محمدًا سيد المرسلين وخاتمهم صلى الله عليه وسلم.

الإسلام هو الرسالة العالمية الجامعة الشاملة الخاتمة الخالدة الباقية، وكان لابد لها من رسول يجمع صفات كل الأنبياء الذين سبقوه، إن جميع الأنبياء كانوا شهداء ودعاة ومُبشِّرين ومُنذِرين؛ بَيْد أن هذِهِ الصفات لم تكن سواسية في جميع الرسل؛ بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها؛ فكان يعقوب وإسحاق وإسماعيل عليهم السلام قد غلبت عليهم صفة الشهادة وكانوا شهداء الحق، وغلبت علَى إبراهيم وعيسى صفة التبشير؛ فكانا مُبَشِّرَين، ومِن الأنبياء مَن غلب عليه وصف الإنذار لِمَن خالف الحق وجحده؛ فكانوا مُنذِرين كنوح، وموسى، وهود، وشعيب، ومنهم مَن غلب عليه صفة الدعوة إلَى الحق، وامتاز بها أكثر مما امتاز بسائر النُّعوت الأخرى كيوسف، ويونس، عليهم الصلاة والسلام جميعًا.

وأما مَن كان جامعًا لهذه الصفات كلها، واتصف بها جميعًا فكانَ مبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلَى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال والخلال؛ فهو النبي الجامع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بُعِث ليختم الله به النبيين والنبوات؛ فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلَى البشر كافة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت