ترى كيف يرى عشاق الحبيب المصطفى صلوات الله عليه شعاع الشمس وضوء القمر على هذا الجبل الحبيب؟ بل قل: ماذا يكشف لهم من الأسرار في تلك الصخور العاشقة التي احتضنت بين جنباتها أشرف نسَمة من بني الإنسان، ورأت أمين الوحي يسلم الحبيب المصطفى صلوات الله عليه بريدَ خاتمة الرسالات السماوية من رب العزة جل جلاله في هذا المقام، ثم يلقاه بين الفينة والأخرى يبلغه أوامر مليكه العزيز؟ ويا ترى ماذا حصل لتلك الحجارة العاشقة حينما خفق عليها بجناحيه جبريلُ عليه السلام أول مرة، وهي التي طال عهدها بمثل ذلك النور الملائكي المضمخ بعبق العرش والكرسي وظلال الجنة وأنفاس الأملاك العلوية؟
في أعلى هذا الجبل العاشق غار حراء، أول بقعة أشرق بين جنباتها نور الله، وأول من احتضن سر النبوة، وأول من سمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: {اقْرَأْ} ، فيقول الحبيب صلوات الله عليه:"ما أنا بقاريء"، والغار مكان لا يليق به إلا التعبُّد والتفكُّر، صغير يتسع لأشخاص معدودين فقط، في قُنَّة الجبل [القُنَّة بالضم أعلى الجبل] ، يترك الجبال من خلفه ويمنحها ظهره، ويواجه الوادي الفسيح الذي يتصل بمكة فيظهر منه بيت الله، والقاعد فيه يُطِلُّ على الكعبة من علٍ، والكعبة بيت الله تواجهه بهيبتها وأسرارها وأنوارها، وملائكتها المتنزلة، يزينها يمين الله الحجر الأسود، ياقوتة الجنة، ودرة الأرض، ومغناطيس المحبين العاشقين الذي يجذبهم بسلاسل النور وسرِّ الحب، فلا يفلت منهم أحد، غار خلق للتأمُّل، وخص ب: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [4] ، وأبَى أن يؤوي إليه من النُّسَّاك إلا أشرف الخَلق صلوات الله عليه، فكيف كان صلوات الله عليه يصعد هذا المرتقى وحده وهو البعيد البعيد عن أمِّ القرى للسائر على رجليه؟ وكيف كانت إقامته في ذلك الغار؟ وكيف كان اتصاله بخالقه جل جلاله؟ وكيف كانت تلك السيدة التي جاوزت الخمسين من عمرها تتجشَّمُ عوائق الصخور الحادة وعَنَت الصحراء، وأهوال الفضاء الرحيب لتسير حاملة الطعام لحبيبها صلوات الله عليه؟ وأي إخلاص هذا وهي السيدة الشريفة ذات العز والجاه والمال والشَّرف الرفيع والمكانة في قومها وعشيرتها، فأية زوجة كانت؟ وأية رابطة محكَمة أوثقت عرى ذينك القلبينِ الشريفين حتى كانت تتحمَّلْ معه مثل هذه الحياة التي لم يألَفْها أهل مكة، فكانت تساعده وتقف معه وتسانده وتريش فؤاده بعطفها وحنانها؟ وأي زوج ذلك الذي امتلك لبَّ تلك الشخصية الكبيرة من أشرف نساء قريش والعرب قاطبة، وأسرها؟ .. هنا يُحجِم القلم وتعجم التخرُّصات وتكذِب الظنون، وهنا يكفينا قولُه صلوات الله عليه:"ما أبدلني اللهُ خيرًا منها؛ قد آمنت بي إذ كفَر بي الناس، وصدَّقَتْني إذ كذَّبني الناس، وواسَتْني بمالها إذ حرَمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء".
وكان صالح بن حسين المحضار [5] من الذين صعِدوا الجبل، والذي يصف رحلة الصعود للغار، فيقول: