(إذا ما نظرت إلى الأسفل .. فقد قطعت شوطًا لا بأس به .. بل هو طويل .. وإذا ما نظرت أمامك ابتعت بطاقة بريدية تقدم لك الغار على طبق من ورق .. فإذا ما نظرت إلى الأعلى شاهدت خيوطًا رفيعة من البشر .. الذين يتشاركون في الرحلة معك إلى غار حراء، أحدهم قال وهو يجيب على سؤال لي: الطريق طويلة .. لكن رفيقة دربه قالت: بل الطريق مطوية .. وصعِدنا لا نلوي على شيء، فإذا ما اشتدَّت أنفاسنا علينا .. توقَّفنا .. وتوقف معنا آخرون .. الصاعد كان أكثر لهفةً على معرفة شيء .. أي شيء .. فقد كان ينظر إلى نوق، والنازل كان يتقي بيده حرارةَ السماء .. ثم ينظر إلى مكة .. كان النظر إلى الوراء باعثًا على الإحساس بالرهبة .. واصلنا السير حثيثين إلى قمة الجبل .. الحقيقة أنه لم يعُدْ سيرًا، بل كان تسلُّقًا للرُّوح يشبه تسلق قمة إيفرست دون اللجوء إلى عِصِي أو حبال .. ثم ما لبثت أن انتصف الجبل - أو هكذا خيل إلينا - فيما أخذت القمة شكلًا يصعب الولوج منه، بَيْدَ أن النساء كن أكثر قدرة على دفع أنفسِهن من الرجال الذين كانوا يستغلون فرصة التوقف ليسمع الصاعد من النازل كلامًا يدفع به إلى أعلى .. وهناك مسافرون يستريحون كلما جثا بهم التعب ليجدون عريشًا من ظل لا يملِكه أحد .. والمشهد كان مكة البيضاء .. تخيلتها لوهلة: أكوامًا من اللؤلؤ .. هل أتجاوز حين أطلق عليه"بانوراما"، ولولا أن سبقني أحدهم إلى قول مثله لقلت:"إن الناس قد انقسموا إلى قسمين"، أولئك الذين شاهدوا من هنا مكة، وأولئك الذين لم يشاهدوها .. تسمع صلوات على النبيِّ فيما يتردد كثيرًا اسمه"محمد"فتصلي على النبي، ولما تسمع اسمًا كجبريل عليه السلام وهو المأمور بعدم إخافته صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له: {اقْرَأْ} ،"ما أنا بقاريء"، فيقول له: {اقْرَأْ} ،"ما أنا بقاريء"، فيقول له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [6] .
إن أكثر ما يقرُّ في قلب وعقل كل من يطالع رحلة الصعود والانقطاع في غار حراء ويشهد بكونها تشكل معجزة بشرية للنبيِّ صلى الله عليه وسلم هو ما توقَّف عنده أكثرُ العلماء والمفكرين بالدهشة والحيرة والاستغراب:
• كيف لرجل ثري أن يترك المدينة المتوهجة بنورها وناسها ثم يختار - بمحض إرادته - مكانًا ليس فيه ما يغري أي إنسان في أي عصر بالذَّهاب إليه، ويبعد عن داره حوالي أربعة كيلو مترات ليصعد طريقًا شاقًّا يحتاج تقريبًا لثلاث ساعات، ثم يجلس وحده في غار قابع في قمة جبلٍ موحِش ومظلم؟!
والاستغراب الذي يثير التساؤل: ما وجهُ الاضطرار لهذا الصنيع مع كونه لا يمثل للرسول صلى الله عليه وسلم - آنذاك - أية شَعيرة دِينية حتى يمتثل لها طائعًا؟!