فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 147

من أشد ما يدهش معظم المستشرقين ممن تناولوا تاريخ وإنجاز جيل الصحابة هيَّ تلك البيئة الحاضنة لهم، والتي تحولوا فيها، وشهدت انطلاقتهم إلى باقي الأمم، وذلك عبر دراسة استقصائية لمروياتهم تتبعًا لكتبهم ودراساتهم ولايتسع المقال بالطبع لسردها على نحوٍ تاريخي، ومعقد الدهشة هو أن البيئة بكل معطيات المنطق الذين درسوه لايمكن أن تؤدي إلى تلك النتيجة الباهرة التي لاتفوق حد الواقع فقط بل حد الخيال.

ربما تمثل هذا أحسن تمثيل بالنيابة عن أصحابها من أهل الاستشراق الكاتبة الإيطالية الدكتورة"لورا فيتشا فاليري" [11] ، فتقول: (في بلدٍ قَفرٍ بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ منعزلٍ عن الإنسانيةِ المتمدنةِ، تفجَّرَ ينبوعُ ماءٍ سلسلٍ عذبٍ منعشٍ، بين قومٍ من الهَمَجِ جبابرةٍ غلاظِ القلوبِ لا يخضعونَ لسلطانٍ ولا يتقيدون بقيدٍ. ذلك الينبوعُ هو دينُ الإسلامِ الذي تدفَّقَ بغزارةٍ، واتَّخَذَ سبيلَه في الأرضِ سربًا، فكان نُهَيرًا استحالَ بعده إلى نهرٍ عظيمٍ. سرعانَ ما تفرَّعَتْ منه آلافُ الجداولِ والأنهارِ التي تغلغلتْ في البلادِ طولًا وعرضًا. ولم يلبثْ الناسُ أن تذوَّقوا هذا الشرابَ العجيبَ، وشُفوا من أمراضِهم الاجتماعيةِ، واتَّحَدَ المختلفون منهم والمتخاصمونَ، وانطفأتْ نيرانُ الحقدِ والكراهيةِ المبثوثةِ في صدورِهم، وزالَ من بينهم أسبابُ النفورِ والخلافِ. استحالَ هذا الماءُ المقدَّسُ سيلًا جارفًا اكتسحَ بقوته الساحرةِ بلادًا عظيمةً، فثَلَّ عروشَها وطُوِيَ مجدُها طيّ السجِلِّ للكتبِ. لم يعرفْ التاريخُ حادثًا مماثلًا لهذا الحادثِ الخطيرِ، لأن السرعةَ العظيمةَ التي أتم بها الإسلامُ فتوحاتِه، كان لها أبلغَ الأثرِ في حياته. إذ أنه بعدَ أن كان عقيدةَ نفرٍ كثيرٍ من المتحمسينَ، أصبحَ دينًا لعدةِ ملايينَ من الناسِ!) .

تواصل لورا فاليري دراسة عوامل التغيير في نفوس الذين تابعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا بالدين الجديد، وتطرح سؤالًا يدهشها عن النتائج التي أحرزها وحققها هذا التغيير على أرض الواقع ليس في محيطهم فقط بل على مستوى العالم من حولهم على الرغم من إمكاناتهم المتواضعة بالنسبة لما يمتلكه خصومهم، فتقول: (وليتَ شعري كيف تأتّى لهؤلاء المجاهدينِ غيرِ المدربينَ أن ينتصروا على شعوبٍ يفوقونهم مدنيةً وثروةً، ويزيدونَ عليهم دربًا ومراسًا للحروبِ؟ وكيف استطاعوا أن يبسطوا سلطانهم على بلادٍ متسعةِ الأرجاءِ، وأن يحتفظوا بفتوحاتِهم هذه ويوطِّدوا هذا الصرحَ العظيمَ الذي ثبتَ أمامَ حروبٍ شديدةٍ استمرَّتْ قرونًا عديدةً فلم تقوَ على هدمِه ونقضِ بنيانِه الشامخِ المتينِ؟ وكيف أمكنَ لهذا الدينِ أن يوطِّدَ في نفوسِ أولئك المهتدينَ الحديثي الإيمانِ أمتنَ الأسسِ؟ وكيف تسنى له أن يحتفظَ بحيويته العظيمةِ التي لم تعرِفْ مثلَها ديانةٌ أخرى من قبلُ، حتى بعدَ ثلاثةَ عشرَ قرنًا خَلَتْ بعد حياةِ مؤسِّسِهِ؟ وكيف استطاع هذا الدينُ أن يغرسَ تلكَ الحماسةَ الدينيةَ في نفوسِ أتباعِه الجددِ، المختلفينَ عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت