فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 147

ويتألق عظَمة .. ويتفوق اقتدارًا؟! وقبل هذا كله، وفوق هذا كله .. كيف استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد ويَكنُسوا منه إلى الأبد وثَنِية القرون؟!

تلك هي معجزتهم الحقَّة .. وأيضًا، فإن معجزتهم الحقة تتمثل في تلك القدرة النفسية الهائلة التى صاغوا بها فضائلهم واعتصموا بإيمانهم على نحو يَجِلُّ عن النظير!

على أن كل معجزاتهم التى حققوها، لم تكن سوى انعكاس مُتواضع للمعجزة الكبرى التي أهَلَّت على الدنيا يوم أذن الله لقرآنه الكريم أن يتنَّزل، ولرسوله الأمين أن يُبلِّغ، ولموكب الإسلام أن يبدأَ على طريق النور خُطاه!).

إنهم تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين التحقوا بجامعته منذ أن نطقوا الشهادتين، وعاشوا في هذا المحيط التربوى الإلهي المحفوف بالروعة والجلال، يا لها من جامعة استمرت ثلاثة وعشرين عامًا تَخرَّجَ فيها الخلفاء والقادة وأمراء الجيوش وولاة الأمصار والقضاة والفقهاء والمحدثون والمستنبطون والمشرعون، تخرجت فيها أمة كاملة تحب العدل وتعتز بكرامة الإنسان وترضى بالمساواة وتركن إلى الشورى وتمجد الوفاء وتحفظ حقوق العلماء؛ تعلم الجهلاء وترشد السفهاء ... ثلاثة وعشرون عامًا والوحي ينزل من السماء ومحمد يبلغ ويحدث، فتبليغه وحي، وكلامه سُنة، وفعله قدوة، والناس راضون والإسلام يعلو شأنه يومًا بعد يوم. ومن هذه المدرسة اندفع الرعيل الأول من المؤمنين إلى العالم يحملون قرآن رب محمد صلى الله عليه وسلم وأدبه، والقدر يخط لهم في صحائف المجد في فتوح البلدان ونور الإسلام يشع فيضيء الدجنة الحالكة بين الناس. تخرج فيها: أبو بكر في إدارته وحزمه، وعمر في تنظيمه وعدله، وعثمان في كرمه وحلمه، وعلي في شجاعته وزهده، وقادة الجيوش وأمراؤهم: خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص وعمرو بن العاص وغيرهم من عباقرة الإسلام [9] .

ألا يكفي هذا الجيل الفريد العبقري الفذ شهادة وإشادة القرآن الكريم لهم ولقائدهم وأستاذهم من قبلهم النبى المعلم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت