بعد ما هزموا الفرس، واحتكروا السيادة في الأرض بالطول والعرض؟ .. لقد قدر على ذلك الرجال الذين صلوا وراء محمد في سجدة التواضع بالمدينة، وسمعوا منه القرآن فحفظوه فلم يسقطوا منه حرفًا، ونقلوه إلى من حولهم وإلى من بعدهم في دقة لم تعرفها صحائف الوحى منذ نزل وحي .. من روح محمد القائد العابد الداعي إلى الله على بصيرة، انطلق قادة عُبّاد صوب المشارق والمغارب، وما أُثِرَ عنهم اعتداد بجنس ولا اشتهاء لغرض ولا إخلاد لأرض، ولا تكاسل عن آخرة! فإذا حضارة جديدة تقوم، هتافها الدائم أذان يتكرر من الفجر إلى العشاء يدعو العباد إلى أداء واجبهم نحو رب العباد. إن محمدًا صناعةً إلهية لم تتكرر، فسبحان من أبدع محمدًا [6] .
لم تكن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم مهمة سهلة بل هيَّ من أشق المهمات إنها مهمة صناعة الرجال؛ فيثبت الدكتور محمد عمارة [7] أن الصحابة صناعة وتربية الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: (إن صناعة الرجال هي أعظم الصناعات الثقيلة في هذه الحياة .. وأعظم الزعماء في العبقرية هم أوائل الذين يعرفون المعادن النفيسة للرجال، فيضعونهم في مواضعهم الطبيعية فيحدثون التحولات الكبرى في النهوض والتقدم وتغيير مجرى التاريخ .. ولقد كان من إعجاز مدرسة النبوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم .. وفي الروضة الشريفة صناعة الجيل الفريد من الرجال والنساء الذين غيروا مضمون الحضارة والمدنية والثقافة ووجهة التاريخ .. هذا الجيل الفريد الذي هزم الشرك والوثنية وأقام الدين وأسَّسَ الدولة وأزال بالفتوحات الإسلامية القوى العظمى الظالمة - الفرس والروم - التي قهرت الشرق دينيًا وثقافيًا وسياسيًا ونهبته اقتصاديا لأكثر من عشرة قرون .. وذلك عندما فتح هذا الجيل الفريد في ثمانين عاما أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون .. وكان فتحهم تحريرًا للأرض .. وللضمير) .
كان من نتاج وآثار التربية النبوية المتميزة والفريدة والمبتكرة لصحابته الكرام رضوان الله عليهم أن بلغوا شأوًا عظيمًا فاق حد الإعجاز، يشهد بهذا خالد محمد خالد [8] ، فيقول: (إن التاريخ لم يشهد رجالًا عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ثم نذروا لها حياتهم على نسق تناهى في الجسارة والتضحية والبذل، كما شهد في أولئك الرجال حول الرسول .. لقد جاءوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. فحين كانت الحياة تهيب بمن يجدد لِقِيّمِها الروحية شبابها وصوابها، جاء هؤلاء مع رسولهم الكريم مبشرين وناسكين. وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشرية الرازحة أغلالها، ويُحّرر وجودها ومصيرها، جاء هؤلاء وراء رسولهم العظيم ثوارًا ومحررين .. وحين كانت تهيب بمن يستشرف للحضارة الإنسانية مطالع جديدة ورشيدة، جاء هؤلاء روَّادًا ومُسْتَشرِقين .. كيف أنجز أولئك الأبرار كل هذا الذي أنجزوه في بضع سنين .. ؟! كيف دَمْدَمْوا على العالم القديم بإمبراطورياته وصولجانه وحوَّلوه إلى كَثيب مَهيل؟! كيف شادوا بقرآن الله وكلماته عالمًا جديدًا يهتزُّ نَضْرَة ..