حتى عند النساء لا الرجال .. والله لو لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذه المعجزة وحدها لأغنته ... صلى الله عليه وسلم).
ولكن لماذا أحبّوه هذا الحب؟ إذ لا يوجد في التاريخ كله قوم أحبّوا إمامهم أو زعيمهم أو شيخهم أو قائدهم أو أستاذهم كما أحبّ أصحاب محمد محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى افتدوه بالمهج، وعرّضوا أجسامهم للسيوف دون جسمه، وضحوا بدمائهم لحمايته، وبذلوا أعراضهم دون عرضه، فكان بعضهم لا يملأ عينيه من النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالًا له، ومنهم من ذهب إلى الموت طائعًا ويعلم أنها النهاية وكأنه يذهب إلى عرس، ومنهم من احتسى الشهادة في سبيل الله كالماء الزلل، لأنه أحبّ محمدًا ودعوته. بل كانوا يتمنون رضاه على رضاهم، وراحته ولو تعبوا، وشبعه ولو جاعوا، فما كانوا يرفعون أصواتهم على صوته، ولا يقدمون أمرهم على أمره، ولا يقطعون أمرًا من دونه، فهو المطاع المحبوب، والأسوة الحسنة، والقدوة المباركة.
أما دواعي هذا الحب وأسبابه، فأعظمها أن هذا الإنسان هو رسول الرحمن، وصفوة الإنس والجان، أرسله الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقودهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، ثم إنهم وجدوا فيه صلى الله عليه وسلم الإمام الذي كملت فضائله وتمّت محاسنه [3] .
لم تكن المحبة وحدها هي العامل الوحيد في تلك الوشيجة الكريمة بين هذا الجيل وقائده - والحق أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركن في الإيمان، وآية على صدقه [4] - بل يكمن وراءها سببٌ أعظم ألا وهو تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم والتي مازالت تُدْرس وتُدَرس عبر رسائل علمية أكاديمية عدة، شهد له فيها ثُلة من علماء العرب والعجم بالإعجاز البشري للنبي صلى الله عليه وسلم ومنهم الشيخ محمد الغزالي حين يقول [5] : (إن تربية محمد صلى الله عليه وسلم لهذا الجيل معجزته الكبرى بعد القرآن الكريم) .
كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم إنه مرسَلٌ للناس كافة، ومرسل لبني آدم مابقى على ظهر الأرض منهم واحد، ولا نبوة بعد بعثته، كما كان يدرك أنه لن يُعمَّر حتى يطوف القارات ويهدى العصور المتطاولة ولهذا فقد ربي الجيل الذي يستمع إليه تربية خاصة تؤهلهم لحمل أنوار الرسالة وعبء هداية تلك الشعوب من بعده.
والمنصفون يقولون: حسب محمد شرفًا أن ينشيء من الأميين شعبًا راقيًا واعيًا. فكيف وقد أنشأ منهم أمة حركت الرواسي وأتت العجائب .. من كان يخرج الرومان من مستعمراتهم التى احتلّوها قرونًا عديدة؟ من كان يحاكم مواريثهم الفكرية والروحية التي فرضوها بالحديد والنار؟ من كان يقدرعلى تقليص ظلالهم وكسر كبريائهم