أتباعه الأولِ في الجنسِ والثقافة، فحذَوْا حذوَهم في الإخلاصِ والتضحيةِ في سبيله؟ لعَمري إن هذا كلَّه ليبعثُ في الإنسانِ الشيءَ الكثيرَ من الدهشةِ والذهولِ.
أفليسَ من أكبرِ معجزاتِ هذا الدينِ الجديدِ أن يؤلِّفَ بين قلوبِ أقوامٍ كهؤلاءِ العربِ، عاشُوا أجيالًا عديدةً في مخاصماتٍ شديدةٍ وحروبٍ أهليةٍ مستمرةٍ، فعرفوا بفضلِه الاتحادَ والإخاءَ والسلامَ؟ إن الإسلامَ يمتازُ بفضائلَ، وأكبرُها فضيلتا الرحمةِ والعدلِ. وإن الناس لتتلهفُ على دينٍ يتفقُ وحاجياتهم ومصالحهم الدنيوية ولا يكون قاصرًا على إرضاءِ مشاعرِهم، بل يريدون أن يكونَ وسيلةً لأمنِهم وطمأنينتهم في الدنيا والآخرة. وليس هناك من دينٍ تتوفَّرُ فيه هذه المزايا كلُّها بشكلٍ رائعٍ سوى دين الإسلام).
من الملاَحظ أن لورا فيتشا فاليري أرجعت ما أصبح عليه الصحابة رضوان الله عليهم إلى دين الإسلام فقط كمعجزة، ولم تلتفت إلى أن الواقع يشهد أنهم ما تشرَّبوا هذا الدين بعباداته ومعاملاته وسلوكياته قولًا وفعلًا إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه الذي جسَّد الإسلام تجسيدًا شبهته فيه زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه مستمد من القرآن الكريم، فيصبح فضل ما هم فيه مردود إليه صلى الله عليه وسلم.
يؤكد هذا الشيخ محمد الغزالي، حين يقول:
(ونبى القرآن كان في حياته الخاصة المثال الأول، والأزكى،""العملي"له ظاهرًا وباطنًا في سيرة محمد نبي القرآن. ولستُ أزعم ولا زعم غيري أن الصحابة معصومون ولا أنهم في الفضل سواء، وإنما أقرر أنهم صناعة سماوية عالية، وقد نجحوا في تبليغ رسالة غيرت تاريخ العالم، وأن نظامهم الأخلاقي يضارع في دقته القوانين العلمية. وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا غير هو الذي قدر بفضل الله على إحكام هذا الجيل، وإبداعه على هذا النحو) [12] ."
إن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج للبشرية هذا الجيل الفائق الجودة في كل منحى ليقف وحده دليلًا كافيًا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لايحتاج دليل سواه، ويشهد بهذا الفقيه المالكي شهاب الدين أبو العباس القرافي، فيقول: (لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه، لكفوه لإثبات نبوته) [13] . ... .