البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه، فمن حرصه على التعبد لله، كان حبه حتى في التسمي بما يُذَكِر بتلك العبودية الحبيبة إلى قلبه، والتي لا تخرجه من البشرية حتى ولو بالتسمي باسمه مخافة مما آلت إليه الأمم السابقة من تأليه أنبيائها، فكان يقطع صلى الله عليه وسلم على أمته كل ما يؤدي إلى ذلك، حرصًا عليها وشفقةً بها [20] .
ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه؛ كعبد الله، وعبدالرحمن، وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرها كالقاهر والقادر، فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر، وعبد الله أحب إليه من عبد ربه، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، فيكون عبدا لله، وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه، ولما كانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر [21] .
بالغ بعض العلماء في الاحتفاء باسماء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حتى أوصلها أحدهم إلى ثلاثمائة وبضع وأربعين اسمًا، ومنهم من زادها إلى أربعمائة وثلاثين اسمًا، ومنهم من قصرها على تسعة وتسعين اسمًا، على أن المعيار المعتمد والذي يعول العلماء عليه هو أن تكون مرجعية تلك الأسماء ما ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، دون غلو أو إفراط أو شطط، وإن تسربلت تلك الدعوى بغاية الحب النبيلة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد أمرنا الله - تعالى - بعبادته، شريطة أن نعبده بما شرّع لا بما نهوى.
أما اسما الرسول"محمد و أحمد"فمشتقان من معين الحمد، وقد اجتهد ثلة من الأقمين في البحث عن الفرق بينهما، فمن رأى أن محمدًا: جمع للفضائل، وجميع الصفات الطيبة والحسنة المحمودة. وأما أحمد فمعناه: الذي بلغ الغاية في كل صفة من الصفات، وفي كل خصلة من خصال الخير على وجه الإنفراد .. وهو صيغة"أفعل"التفضيل، من المبالغة في الحمد. وهو متعلق باسم محمد ومعناه؛ إذ لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، أو كما قال القاضي عياض [22] : (فهو صلى الله عليه وسلم أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدًا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد، ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقامًا محمودًا كما وعده، يحمده فيه الأولون، والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال صلى الله عليه وسلم ما لم يعط غيره، وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين، فحقيق أن يسمى محمدًا، وأحمد) .