كان المتصور من باب الحكمة والسياسة الشرعية أن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الزعامة والملك، ثم يتخذها وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يرضَ مثل هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته؛ لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها ومبادئه الأخلاقية السامية أيضًا صلى الله عليه وسلم.
يقول المستشرق الإيطالي ميخائيل إيماري معجبًا بثبات النبي صلى الله عليه وسلم [7] : (وحسب محمد ثناءً عليه أنه لم يساوم، ولم يقبل المساومة لحظةً واحدة في موضوع رسالته على كثرة فنون المساومة واشتداد المحن، عقيدةً راسخة، وثبات لا يُقاس بنظير، وهمَّة تركت العرب مدينين لمحمد بن عبدالله؛ إذ تركهم أمة لها شأنها تحت الشمس في تاريخ البشر) .
لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم المحاولات القرشية كلها وبنوعيها من ترغيب وترهيب، فالترهيب كان بالأذى والاضطهاد والاتهام، والغمز بالقول والتمادي لمحاولة إيذاءه صلى الله عليه وسلم بدنيًّا، بلغ أدنى تلك المحاولة في قومتهم عليه قومة رجل واحد، وأعلاها التخطيط لقتله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وهو الأب والزوج، ولديه بناته اللاتي يخاف عليهنَّ إن مسهن الإيذاء بالقول أو الفعل، فلمن سيتركهن، والدعوة في مهدها؟ وجاء الترغيب في المحاولات المتتاليات من إغرائه بالمال والسيادة، وتأمين أسرته ماديًّا ومعنويًّا في سبيل دعوة يعلم أنه سيعاني أشد العناء لتعلو كلمة الله في مكة وما حولها.
لقريشٍ كل الحق في أن يجن جنونها، ويطيش صوابها، وتعلن قريحتها الخبيثة إفلاس جعبتها من كل المحاولات الشريرة بعد أن صدمها ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذلم تَلِن عزيمته، ولم تَضعُف قوته، ولم يستسلم!
يقول توفيق الحكيم [8] : (فوسيلة النبي الأولى وخطوته التي نزل بها الميدان، هى إقناع ذلك الخصم الصاخب من الخلق أنه مجرد عن الغايات الدنيوية، وهنا كانت قوته، فإن أمضى سلاح في يد رجل يريد أن يقارع البشر، هو أن يواجه البشر بيدٍ خاليةٍ من مطامع البشر) .
هذا سر قوته صلى الله عليه وسلم وسر إعجازه كذلك، عندما يشعر قاريء سيرته أنه صلى الله عليه وسلم أمام قوة وجبروت قريش كان دائمًا هو الأقوى رغم أنه فذ أمام جماعة.