فنحن نُسَوِّدُك علينا، وإن كنت تريد به مُلكًا، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيًا - فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك؛ حتى نُبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"مَا بِي مَا تَقُولُونَ مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُب أَمْوَالكُمْ وَلَا الشَّرَف فِيكُمْ وَلَا الْمُلْك عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُون لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَات رَبِّي وَنَصَحْت لَكُمْ فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِر لِأَمْرِ اللَّه حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْنِي وَبَيْنكُمْ"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقد سبقت تلك المحاولة الفاشلة محاولات أخرى من سلسلة الإغراءات والعذابات التي لقِيها الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا غير محاولة أبي جهل قتله وهو ساجد يصلي، ولم يَفُتَّ في عَضُده.
يقول أبو الحسن الندوي [4] في معرض تعليقه على عروض أهل الشرك السخية: (أما قالوا له على لسان عتبة وهم ما عرفوا الإغراء السياسي: إن كنت إنما بك الرياسة، عقدنا ألويتنا لك، فكنت رأسًا ما بقيت) .
لم يعرفوا الإغراء السياسي، ولكن عرفوا وخبروا ضعف النفس البشرية ومطامعها، فحدثوه باللغة التي يجيدون التعامل بها كتجار في بلد حرفته المساومات والمزايدات التجارية، حدثوه عن أمرين يعرفون تمامًا من خلال معرفتهم بإنسان الحضارات السابقة المجاورة لهم، وإنسان البلدان التي يسافرون إليها صيفًا وشتاءً، أنه يُقاتِل ويُقْتَل من أجلهما، ألا وهما:"المال والسيادة"، تتحارب حولهما الدنيا، فكانت الثورات، والانقلابات والاغتيالات، والدسائس، والفتن، والمؤامرات، من قديم الأزل وحتى الآن، إلا عند المال والسيادة أي"السلطة"فهو الإنسان كما هو لم يتغير ولن يتغير، منذ العصر البدائي حتى عصر التكنولوجيا، وثورة المعلومات، وحرب النجوم، وأسلحة الدمار الشامل وما بعدها.
المال والمنصب؛ أي: الغني والسلطة"السيادة"، سلاحان لهما بريق السحر يَخطَفان العقول والعيون، ويحركان لُعاب المطامع في الحلوق، ويُنسيان طالبهما أجَلَّ المباديء وأعرق القيم، حتى إنه ليؤثر السلامة عائدًا إلى بيته؛ ليلتحف بالخز والدمقس، وكافة الأزياء اليمانية والشامية، شأنه في هذا شأن أصحاب الزوابع السياسية التي تموت في مهدها بعد التفاوض على المكاسب الشخصية؛ أي: بعد أن استأنس أصحاب الثروات أصحاب الثورات، فأنسوهم الغايات بعد أن حركوا فيهم الشهوات، وأكبرها شهوة التملك.