هل كان بإمكان محمد صلى الله عليه وسلم أن يُلزِمَ نفسه الصمت وكبت القدرات والتطلعات، على مدى حياته كلها وفي كل أطوارها؟ وهل كان يستطيع أن يلزم نفسه صفة الصدق منذ مولده حتى سن الأربعين من عمره، وهو يدبر الأمر ويدبر الكذب، أشد الكذب، لكي يلزمهم تصديق أكاذيبه وتلفيقاته؟ [3] .
على كثرة ادعاءات المشركين بمكة من تهم باطلة، وصفات كاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل قولهم:"ساحر، شاعر، مجنون"، إلا أنهم لم يتهموه أبدًا بالكذب، يشهد بهذا ما قاله الترمذي عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به"، فأنزل الحق تعالى قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [4] .
فلا تظن أن قولهم، صادر عن اشتباه في أمرك، وشك فيك {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} لأنهم يعرفون صدقك، ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونه قبل بعثته الأمين، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: فإن تكذيبهم لآيات الله، التي جعلها الله على يديك [5] .
يقول ابن عباس - رضي الله عنهما:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسمى الأمين، فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون، وكان أبو جهل يقول:"ما نكذبك؛ لأنك عندنا صادق، وإنما نكذب ما جئتنا به". الْتَقَى الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ الْأَخْنَسُ لِأَبِي جَهْلٍ يَا أَبَا الْحَكَمِ أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامَكَ غَيْرِي، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالنَّدْوَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ؟ [6] ".
يؤكد أعدى أعداء قريش للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمانته حين قام خطيبًا في سادة قريش قائلًا لهم:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا ابْتُلِيتُمْ بِمِثْلِهِ، لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً".
مارس أنيس الغفاري قبل إعلان إسلامه إجراء اختبار دلل به على صدق ذلك الرجل الذي خرج من مكة نبيًا، وورد ذلك في قصة إسلام الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما - حين قال ابن عباس عنه:"كنت رجلًا من غفار فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي: انطلق إلي هذا الرجل فكلمه وائتني بخبره فانطلق أنيس حتي أتي مكة فراث عليَّ [تأخر] ثم جاء فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيتُ رجلًا يأمر بخير"