فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 147

أغلق عثمان بن طلحة سادن الكعبة باب البيت الحرام وصعد السلم، لما علم بنصرة الله تعالى للمسلمين، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له أنه مع عثمان فلما أرسل في طلبه أبى، وقال: (لو علمت أنه رسول الله لما منعته المفتاح) ، فغضب علي بن أبي طالب منه ولوى يده حتى أخذ المفتاح عنوة وفتح الباب، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ثم صلى فيه ركعتين، ولما خرج سأله العباس بن عبد المطلب أن يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية والسدانة، فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وأن يعتذر عليًا إليه عمَّا بدر منه.

فلما فعل علي بن أبي طالب ما أمره به الرسول صلى الله عليه وسلم، تعجب عثمان بن طلحة من صنيعه هذا، فقال له: (يا علي، أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق) ، فقال علي: (لقد أنزل الله قرآنًا فيك) ، وقرأ علي الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [13] ، فقال عثمان: (أشهد أن محمدًا رسول الله) .

أمّن صلى الله عليه وسلم قد أهل مكة على أنفسهم بقوله:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن" [14] . وأهل مكة يذكرون ما صنعوا ويعرفون ما يستحقون، ولكن يذكرون خلق محمد ويعرفون مثله، فيقولون: أخٌ كريم وابن أخ كريم. ويسكتون في انتظار الحكم القطعي، ولو كان الحكم بقتلهم جميعًا، لما وجد من كتّاب التاريخ الصديق منهم والعدو من يلومه بكلمة، ولكن حكم محمد كان غير ذلك، كان مفاجأة لايتوقعها أحد، مفاجأة أدهشت عصره وكل عصر يأتي بعده، قال لهم:"اذهبوا فأنتم الطلقاء" [15] .

يُؤخذ اللورد هيدلي مشدوهًا بالخلق الكريم للرسول الكريم قولًا وفعلًا صلى الله عليه وسلم، فيقول معلقًا على عفو الفاتح المنتصر العائد إلى بلده التي حرموا عليه دخولها سنوات: (عفا بلا قيد ولا شرط عن كل هؤلاء الذين اضطهدوه وعذبوه! آوى إليه كل الذين كانوا قد نفوه من مكة! وأغنى فقراءهم، وعفا عن ألد أعدائه عندما كانت حياتهم في قبضة يده وتحت رحمته! [16] .

على الرغم مما لقيه صلى الله عليه وسلم من أهل مكة من عذاب يعفو عنهم، كما يقول مولانا محمد علي [17] : (والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه، دائمًا وأبدًا، لأشد ألوان التعذيب بربرية؛ منحهم عفوًا عامًا، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت