إمكان المرء أن يتخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح دنيوي النزعة أن يعاملهم بها. ولكن صفح الرسول كان لا يعرف حدودًا. فقد غفر لهم ثلاثة عشر عامًا من الاضطهاد والتآمر).
ألقى كل أعداء دينه السلاح، ومدوا إليه أعناقهم ليحكم فيها بما يرى، بينما عشرة ألآف سيف تتوهج يوم الفتح فوق رُبى مكة في أيدى المسلمين فلم يزد على أن قال لهم:"اذهبوا، فأنتم الطلقاء"، حتى حقه في رؤية النصر الذى أفنى في سبيله حياته، حرم نفسه منه، فقد سار في موكب نصره يوم الفتح، حانيًا رأسه حتى كادت تلمس رحله، وتعذر على الناس رؤية وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم؛ ألا تنزه فيه الإنسان .. وتنزه فيه الرسول [18] في وهج هذا الانتصار، تطل علينا المعجزة بضياء جديد يبهر الألباب .. فهذا هو الرسول المنتصر تواتيه الفرصة لكي يفرض دينه وتعاليمه، فإذا هو لايصنع ذلك أبدًا .. إنه كان معنيًا بأمر واحد، هو إزاحة مظاهر الوثنية والشرك ونسف ما وراء هذه المظاهر من باطل وضلال [19] .
يجعل سيد قطب فتح مكة هو معجزة محمد صلى الله عليه وسلم التي نالها بفضل الله أولًا ثم بجهده صلى الله عليه وسلم، إذ يقول [20] : (إنه ما من شك أن الله كان يريد لمحمد بن عبدالله أن ينتصر. وكان يريد لهذا الدين القويم أن يسيطر، ولكن الله لم يرد أن يجعل النصر هينًا لينًا سهلًا ميسورا .. ولم يرد أن يجعله معجزة لا يد فيها للجهد البشري ولا وسيلة .. إنما جعله ثمرة طبيعية لجهد الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاده، ونتيجة منطقية لتضحياته وتضحيات أصحابه) .
من السهولة بمكان اكتشاف مكامن سر المعجزة المحمدية في رحمته صلى الله عليه وسلم، حيث أمَّنَ أهل مكة وعفا عنهم؛ فلم يذكِّرهم بما فعلوه معه ومع أهله وأصحابه ولو من باب التشفي ولو بالقول.
لم يفرض صلى الله عليه وسلم شروطًا عليهم، كأن يدعوهم أو يجبرهم علي دخول الإسلام - الذي دعاهم له من قبل ورفضوه - ما دام دخل أرضهم منتصرًا عليهم، أو جزاء ما حباهم الأمان لهم ولأبنائهم فليدخلوا ويؤمنوا بدينه، بل يتبدى وجه المعجزة الثاني حين ظل بعضهم قائمًا - ما يزال - على شِركِه يخرج ويدخل إلي داره بين أغلبية مسلمة.
وأخيرًا يبدو سر الإعجاز المحمدي في رحمته صلى الله عليه وسلم في عمومية العفو؛ فلم يستبقِ بعض العناصر منهم، ثم أبطأ عليهم العفو قليلًا حتى يذيقنهم بعضًا من العذاب الذي أذاقوه للطائفة المؤمنة، وهذا ما لم يحدث.