الخجل بما يُسبِل عليه من ثوب العفو ويفيض عليه من ذيول الصفح، والعفو بطولة نادرة، وقدرة خارقة. وعدل محفوف بالرحمة، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس وأحلمهم وأعظمهم خلقًا على الإطلاق [12] .
لا توصف الرحمة في حقه صلى الله عليه وسلم ب"الإعجاز"إلا لأنها فاقت الممكن إلى المستحيل، وجاوزت الواقع إلى أكبر من التخيل والمعقول، ولو أنزل صلى الله عليه وسلم العقوبة في حق من أساء لما كان متجنيًا أو معتديًا أو جائرًا - حاشاه صلى الله عليه وسلم - ذلك أن بعض الإساءات لم تكن في حدود القول فقط بل منها ما تجاوزه إلى حدود الفعل بل والفعل الإجرامي الذي يصل إلى حد الجنايات وتلك لها عقوباتها المقدرة بالعرف والشرع، ولم تكن في حقه صلى الله عليه وسلم بل في حق بنته رضي الله عنهما.
يمثُل أمام الرسول صلى الله عليه وسلم هبَّار بن الأسود قاتل زينب ابنته حين نخس ناقتها، وقد وقعت من عليها، ونزفت، وأسقطت، والذى أهدر الرسول دمه عندما فتح مكة لما له من أفعال أخرى وجرائم شتَّى غير قتل ابنته، ولقد حاول هبار أن يهرب إلى فارس، ثم عَدَلَ عن ذلك؛ وبدا له أن يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما جاءه قال: (يا رسول الله؛ كنتُ هممتُ أن أفرّ إلى بلاد الفُرس؛ لكني تذكرتُ عفوك العامّ، وصفحك الشامل؛ فجئتُك معترفًا بجميع ما بلغك من ذنوبي) .
الوقائع ثابتة في حق الجاني، وهو مهدور الدم سلفًا، والقصاص حق، تٌرى ماذا كان يفعل رجل من البشر أمام من قتل فلذة كبده حتى ولو لم يكن يملك من الأمر شيئًا، أتُراه مُفلِتَه بفعلته؟ ألا يستطيع صلى الله عليه وسلم أن يحيله إلى محاكمة تتلى عليه فيها جرائمه ضد المسلمين ثم يكون الحكم بإعدامه؟
نبينا بشرٌ من البشر ولكن فوق ما اعتاد البشر فهو الرحمة ُالمهداه للعالمين؛ إذ بعدما سمع صلى الله عليه وسلم اعتراف هبَّار، شَمله بعفوه الذي وسع أعداءه جميعًا، وفتح له باب رحمته الذي ما زال مفتوحًا للجميع فقط لو نحوا عنادهم وتقدموا.