فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 147

كيف ينسى من سخروا به سخرية لاذعة، وتمادوا في تحقيره، ليحطوا بذلك من قدره وصورته في أذهان من تبعوه فيتفرقوا عنه، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل السهمي.

التفت صلى الله عليه وسلم ناحية دار الندوة، فتذكر نهار يوم الخميس السادس والعشرين من شهر صفر سنة أربعة عشر من بعثته، حين عقدت قريش أخطر اجتماع لها، حيث أوفدت قبائل العرب من يمثلها فيه، وترأسهم فيه أبليس اللعين في هيئة شيخ من أهل نجد، ونزلت الاقتراحات على مائدة المؤامرات بإخراجه صلى الله عليه وسلم من بلادهم أو حبسه في الحديد وغلق الباب عليه حتى يموت، ورفض المؤتمرون المتآمرون الاقتراحين، فلم يلبث رأس الكفر في مكة أبو جهل بن هشام وكان مندوبًا وحده عن قبيلة بني مخزوم أن تقدم باقتراح فاق رأى أبليس نفسه، فقال: (أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نُعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل [الدية] فعقلناه لهم) .

ما أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من استرجاع تلك المشاهد التي غابت في الأيام ولم تغب عنه، غير صوت همهمات أولئك الذين ينتظرون ما هو فاعلٌ بهم، فلمس ما في صدورهم من وجل ٍورعب وترقب وانتظار فعز عليه ذلك، فقام صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، أَلا كل مأْثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ثم سألهم برفق:"يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟"، فيستعطفونه بالبنوة والأخوة والدم والقربى، فلم يخذلهم أو يسخر منهم أو يسفه بهم، أو يذكِّرهم بما جنت أيديهم عندما أطلقوها في أذاه، وتعذيب أصحابه، أو عندما لاكت في دم من أحبهم ومنهم حمزة أسد الله وأسد رسوله وعمه، أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة فيقولون: (أخٌ كريم وبن أخ كريم) [11] ، فيقول صلى الله عليه وسلم في حكم عام وشامل وهم منه في موقف الأسري:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".

إن الرسول صلى الله عليه وسلم بقولته هذه قد أمَّنهم علي أنفسهم وأموالهم دون أن يشترط تخليهم عما يعبدون وأن يدخلوا إلى الدين الجديد في التو حتى يمنحهم صك الغفران. فالإنسان المتخلق بأخلاق الله، هو المثل الأعلى لسيده يتجلى له معنى نورٌ على نور، فنور الرحمة في قلبه أشرقه عليه نور الرحيم، فَرَفعه فوق الملائكة قدرًا، وأحيا له بين العالمين ذكرًا، وأن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسيء عن الاستيحاش بتذكيره سوء فعله بل يزيل عنه ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت