هل تمحو السنوات صورًا عالقة لأصحابه وما لاقوه من أذى وتعذيب، وهجرتين للحبشة وحدها؟! أم هل تمحو أذى جيرانه له صلى الله عليه وسلم وهم يطرحون عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ صلى الله عليه وسلم حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى، ومنهم عقبة بن أبي معيط الذي تفل في وجهه، ووضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وبين كتفيه إذا سجد.
هل تغسل تلك السنوات من ذاكرته صلى الله عليه وسلم منع أبو جهل له من الصلاة في الحرم المكي وتوعده ونهيه؟! هل ينسى صلى الله عليه وسلم لهذا الجهول موقفه حين أراد أن يطأ رقبته صلى الله عليه وسلم وهو يُصلي؟! وما منعه عن خساسة فعلته إلا أنه رأى بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حجابًا مانعًا حال بينه وبين ما يُريد، فَكَرَّ عائدًا مخزيًا.
وهل إذا تذكر عقبة وأبا جهل ينسى ثالثهما أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الذي كان لايمل من الهمز واللمز للرسول صلى الله عليه وسلم كلما رآه، حتى أنزل الله فيه: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [9] ، هل ينسى موقفه حين مشى إلى رسول الله صلوات الله عليه متحديًا وفي يده عظم بال قد ارْفتَّ، فقال: (يامحمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ) ، ثم فتَّه في يده، ثم نفخه في الريح؛ فقال رسول الله صلوات الله عليه:"نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار". فأنزل الله فيه: ... {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [10] .
هل يغيب عن تلك المشاهد التي لا تمحى من ذاكرة السنين عمه أبو لهب؟! ذلك الذي كان يجول خلفه صلى الله عليه وسلم في موسم الحج والأسواق، وكل مهمته أن يقول لكل من يعرض عليه صلى الله عليه وسلم الدين الحق: (لاتصدقوه فإنه صابيء كذاب) . بل بلغ به الفجور أن يضربه بالحجر حتى يدمي عقباه صلى الله عليه وسلم، ولم تتخلف زوجته أم جميل أروى بنت حرب، أخت أبى سفيان، حمالة الحطب، عن موكب الأذى اليومي حين كانت تحمل الشوك وتطرحه في طريقه صلى الله عليه وسلم حيث يمر، وعلى بابه ليلًا.
لم تغب من ذاكرته من كانا له الحصن والسند عمه أبو طالب وزوجه الأولى الأثيرة الحبيبة السيدة خديجة رضي الله عنها جزاء ما قدمت للإسلام والمسلمين، ووفاتهما في عام واحد، وما ناله بعد رحيلهما من أذى قريش البالغ، فلم تتركه لأحزانه ومرارة فقد من أحب فآثرت أن تزيد عليه الأحزان والأتراح لعلها تفلح في شغله عمَّا يدعو إليه، فيقلع عنه.