فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 147

كما أن وجه المعجزة لن يستبين إلا حين يقيس إنسان اليوم نفسه عليها إذا ما تعرض لضيم وكان له شبكة من الاتصالات بذوي النفوذ وفي مقدوره ومكنته العصف بمن ظلمه ليشفي غليله ويرد الصاع صاعين أشد وأنكى، هل كان سيعفو والدماء لازالت تسيل منه واستهزاؤهم به مازال يدوي بأذنيه؟!

إمَّا أن رحمته صلى الله عليه وسلم معجزة .. فهذا حق، وتبدو أكثر كلما قرأنا سيرته صلى الله عليه وسلم بعمق أكثر واقتربنا من مواقفه صلى الله عليه وسلم أكثر .. فربه عز وجل الرحمن الرحيم، ورسالته رحمة للعالمين، وهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة هكذا وصفه مولاه وأرسله وسَمّاه.

كما أن رحمته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح العظيم لمكة والنصر المبين على أهل الشرك تبدو وتتأكد لأن البشرية هنا غالبة والزهو قائم والرجال جاهزون والكفار صاغرون ينتظرون، فالمشهد كله في بقعة واحدة، المؤمنون المشرئبون للانتقام متأهبون لمن وقر في صدره أنه يوم الملحمة، وأهل الطاغوت عيونهم حائرة تتنقل كالنحلة الضالة تقف تارة عند شفتي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مخافة إصدار أمر الإبادة والتنكيل بهم، وفي صدورهم يعلنون أنه لو فعل لكان حقه المُدَّخر وجزاؤهم الحق العادل، ثم تنتقل نظراتهم الوجلة سريعًا إلى صفوف قواته المنتصرة وسيوفهم المُشْرعة تنتظر إصدار الأمر وهم يعلمون عن أصحاب محمد سرعتهم في تلبية أمره وطاعته، وسرعان ما تستقر أنظارهم أخيرًا على فلذات أكبادهم وزوجاتهم ودورهم ويتخيلون مواطن وهيئات مصارعهم وجندلتهم.

بداهة المشهد هنا أقسى من مشهد حضور جبريل وملك الجبال للنبي صلى الله عليه وسلم حين حل بقرن المنازل بعد عودته من الطائف، لأن هذا المشهد كان يغيب عن بال من سيحل بهم ذاك العذاب المفاجيء، فوقعه عليهم آنذاك سيكون أخف؛ فهم لايترقبونه ولا يخافونه ولو عاد إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحكى لهم أنه رحمهم من عذاب سماوي عظيم لما صدقوه؛ فدخوله عليهم وقت عودته من الطائف، وحاله يُنبيء عن مقاله وحال زيد معه، وفي رجوعه إلى مكة مستجيرًا بجوار مطعم بن عدي، لبانت أمامهم الرحمة باهتة .. أما يوم الفتح فالعفو ناصع مُعجز والرحمة جلية، حاضرة، لا تحتاج كلام ولا برهان، بل ماثلة للعيان، وهي في وقت الفتح والغلبة معجزة بكل معانيها.

لم تكن سنوات البعد عن مكة تكفي لأن تزيح من ذاكرة الرسول صلى الله عليه وسلم الأحداث الجسام التي مرت بحياته فيها، خاصة بعد أن كلفه الله بالرسالة الخاتمة حتى خروجه منها مهاجرًا إلى المدينة متخفيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت